التخطي إلى شريط الأدوات
قصةمشاركات أدبية

لهيب المقام والثلاث ليال

قصة: أسماء جابر

 

ورد عن رواة القرية كل حدث غابر، إلا تاريخ انقسامها إلى جزأين:شرقى للسبات، وغربي لجمع القوت يوميًا، ما اعتادته العين ولم تمله أبدًأ أنه حين الغروب تنحسر عن البساط الفسيح الممتد غربًا أشباحٌ شحبت حمرتها، وتدحرجت بلورات الحزن على هاماتها.

تحت سُدْفَة صديق القرية، يبسط الصمت جناحه، لا شيء يخرق ما اعتاده الليل والنهار حين مرورهما من هنا، طلة القمر وحدُها المتمردة تُقَطِّعُ ظلمة السماء إربًا، تعبث فوق حشائش الهجليجا، وتراقص أعواد الحلف الدائرة حوله…كان وما زال جالسًا وحده، حارس الغرب والشرق ….ذلك الذي عرفناه وقد ضعفت عن اقتلاعه رياح الخماسين، ولم تنهمر ناحيته السيول الموسمية الجارفة.

نسي السابقون وترك الآخِرون الحديث عن موطنه الأول، من أين أتى ولمَ، وكيف كان؟ لم ترد مثل هذه الأسئلة على أذهاننا أبدًا، ارتضاه آباؤنا اقتداءً بأجدادنا، فرضي عنهم مسبغًا فيوضات الأولياء، وكرامات الأصفياء، آمنَّا كما آمنوا قَبْلاً أنه مفوَّض لإعلاء الحق بقريتنا، تلك الظالم نصف أهلها والنصف الأخر مستضعفون.

كانت _كما قالت لي _ تمرحُ حوله مع البنات، وقت استراحة الظهيرة في الحقول، كانت قبته المستديرة يزداد لونها الأخضر لمعانًا إذا ما اتممن دائرتهن وركضن حوله.

أما النسوة اللواتي كن يأتين إليه، يَجُدنَ ببعض ما جاد الله عليهن، وفاءً لنذور قطعنها، بتؤدة كانت الشمس تسايرهن كل ضحىً، والنسائم المعدودة في نهارات الصيف تلاعب أطفالهن، اللذين يعبثون بين الحقول المستسلمة لميعاد حصادها؛ يبحثون بصخب عن أعشاش ” أم قميلة”*، لا يأبهون بتعنيف مالكي الحقول أو القائمين على حفظها من العابثين والعائثين .

من بعد مغيب الشمس هذا الاخضرار اللانهائي ملك له ، وحدُه يجولُ فيه أثيريًا أبديًّا، لا تدركه إلا أسماع وأبصار العارفين، فقط قلوب المصطفين من أهل الخير كانت تسمع نداءاته الجلية العتيدة … _”الله على حَوَّال الحدود ..الله على حَوَّال الحدود ..الله على حَوَّال الحدود”.

كثيرون سواها عصفت تلك الكلمات بأرواحهم مرارًا، فأسمَوْه الحارس”حارس الأرض الخضراء”،سمِعَتْهُ لأول مرة عندما نزلت من شرق القرية في أحد مواسم الحصاد،وقطنت مع زوجها في عزبة(كوخ البوص) مثل باقي النسوة، تجلىَّ لسمعها فلم تنكره إذ شقَّ وشاح السكون، استرقت النظر خلال الفراغات بين أعواد السباتة، لكنها لم تعثر على أثر لآدمي ،سلمت أمرها لليل وعبثًا حاولت بالتسبيح رتق ما قطعه  الخوف والرهبة في قلبها .

ضاق قلب الذي لم تعرف روحه كيف الولاء لهؤلاء،استبد بنفسه إحساس القوة ونزوة الفتوة،كانت شتائمه الغليظة تُطَيِّرُ العصافير من أوكارها، وتشتتنا من حول سيدي أبو هجليجا،يسبُّ النسوةَ حين يقطعن الطريق خلال الدرابيس الواقعة في حقله،انتهك الغرور أوردته،فانتهكت الفأس التي بين يديه رأس قبة المقام،وتلوى لهيبٌ امتزج بلهيب الصيف.

قبل ثلاث ليال من العقاب، سطى ذئب على عزبتها،رأته وكأنه دخل قاصدًا زوجها،لم يتشمم أولادها،تخطاهم في نومتهم ،ثم غرس أنيابه في بطنه.

روت له ما رأت، ثم رجته أن يستغفر عن ذنبه خلال أيامه الثلاثة الآتية، لكن كان مقدرًا  لصهد الظهيرة أن يرشف من دمه  حتى الثمالة،مثلما استنشقت السماء من قبل لهيب حشائش الحلف وتوشحت بدخان الهجليجا.

_____________

*طيور  صغيرة كانت تبني أعشاشها بين الزروع

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق