التخطي إلى شريط الأدوات
قصةمشاركات أدبية

ليـس بـعـد

 قصة: غادة الخولي

                                                                     

إليه

هو فرحٌ، ورحمة، وجبالٌ من البهجة

هو فجرٌ، ورضا، وجنات حنان

هو الذى علمنى كيف أقطفه ذكرى حلوة

من وسط كل الأشواك والأعشاب الممسوخة

وأحتفظ به بين دفتى القلب

فإليه

مودة وياسمين وقهوة

وأصوات عرائس تنشد من كل بحر وبحيرة ومحيط..

“إفتح عينيك

فإننى

أتمناك”

 

 

1

“أنا زعلتك يا بنتى؟!” سألنى بصوته الخفيض فهززت رأسى أن نعم. كرر السؤال بنبرة جرحتها الدهشة “أنا زعلتك؟” فأجبته علانية هذه المرة “نعم”.

من الممكن فى إطار المجاملات العادية أن يَعبُر المرء الغضبات الصغيرة الناتجة عن الزحام والتوتر والعمل المشحون، إلا إذا كان لا يود أن ينتهى الأمر عند هذا الحد.. لا أعتقد أن النوايا الماكرة كانت تسكننى حين هززت رأسى بالايجاب وقد كان بإمكانى أن أجيب إجابات عائمة مثل أن الموضوع صغير وقد انتهى وخلاص.

أدرك الآن أننى لم أكن أريد الخلاص. وأرى تفسير الشيخ الشعراوى لموقف كليم الله، النبى موسى حين وقف أمام الله سبحانه وتعالى يجيبه عن سؤاله ” وما تلك بيمينك يا موسى؟” تفسيراً مناسباً جداً.

يقول الشعراوى أن موسى كان بإمكانه أن يجيب “تلك عصاى” وينتهى الموضوع. لكنه لم يكن يريد ذلك، كان يريد أن يطيل أمد الحوار بقدر ما يستطيع.

ربما أراد عقلى الباطن أنا أيضاً أن يمد خيوط الحوار بيننا، مجازفاً باتهامه بإغضابى دون تقدير لرد فعله.

“أنا زعلتك يا بنتى؟!”

يا له من سؤال؟

إنتظر، لا تتسرع، لم تكن هذه هى اللحظة التى أسرنى فيها، بل لحظةٍ تالية.

لم تكن تلك هى المرة الأولى التى أراه فيها، قابلته قبل ذلك بضع مرات، وفى كل تلك المرات، لم يستوقفنى وجوده سوى لحظات قليلة خلت من الاهتمام. سألت لدى رؤيتى له أول مرة “من هذا؟” فقالوا “هذا فلان”. سؤال وإجابة خاليان من الروح.. تلك الروح التى سوف تنبض بحبه بعد ذلك فى كل مرة يقول لى فيها “يا بنتى”. وأجيبه ب “يا بابا” بسخرية هانئة، أو ب “يا حبيبى” بصدق مكتمل.

وقفت ببطء ودرت حول مقعدى لأقترب منه قدر الإمكان.. تجاهل الأصوات التى تناديه والجلبة التى تثير الجنون، أوقفنى بجواره بحركة من يده، حركة خفيفة جداً، لينهى حواراً مفتوحاً، ثم وضع يده خلف ذراعى وقدَّمنى أمامه نحو باب الخروج.

“تعالى” قالها وقادنى من الخلف بخطوه الهامس.

“تعالى”.. فرُحت.. ويده خلف ذراعى…

هذه هى اللحظة التى تم أسرى فيها، فلم أعد أنا.. أبداً.

 

 

2

كان يمكننى على الأقل أن أحاول أن أجده، بدلاً من قضاء النهار بأكمله فى انتظاره بتلك اللهفة السلبية التى ضيّعت نهاراً – لم أدرك كم أنه ثمين – سوى فيما بعد.

الفكر الشرقى الذى سحقته بعد ذلك بفترة وجيزة خطوات رغبتنا، تسيَّد فقط ذلك النهار.

لم يأتِِ، وأنا والوقت نتسرب من بعضنا فى توتر، والليل يدعونا لأن ننتهى.

لجأت لكارتى الأخير فخذلنى، جرس الهاتف يدق طويلاً ، وهو لا يجيب. إلتفتُّ بحنقى فالتقيت به، يكاد يسأل عنى.

“أهلاً! كيفك” الحماسة تملأ الصوت الخفيض. سوف أكتشف بعد فترة ليست طويلة أنها حماسة مجانية تكاد تحتوى كل الناس.

  • تليفونك لا يعمل.

فاجأه التعليق الغريب بدلاً من الرد على سؤاله مجانى الحميمية..

– ماذا؟!

– التليفون لا يعمل؟ تليفونك. تأكد منه.

أخرج التليفون، الجرس مغلق فعلاً. ضحك وهو يفسر لى أنه أغلقه بعد خروجه من المكتب لئلا يزعجه أحد أثناء توجهه لموعدنا. ضحكت فسألنى باستغراب إذا لم يكن بيننا موعد.

بالطبع بيننا موعد وأنا مستعدة من بدرى.. لكنه هو ليس مستعداً.

 

3

أتأمله بدون أن أعى، أكتشف دون أن أدرك ذلك أننى للمرة الأولى ألحظه.. شخص شبحى. وجهه الأسمر، عيناه الضيقتان، والبذلة الرمادية الشاحبة. تفاصيل مكررة أراها تحيط به منذ رأيته أول مرة، ولم أدركها أبداً.

شخص يصعب وصفه بدقة، ليس له عمر محدد يبدو عليه. شخص سوف يسكن ذاكرتى طويلاً بهذه الصورة.. الصورة الشبحية.

سوف أتساءل فى أحيان كثيرة: هل هو موجود فعلاً؟؟

 

4

فى الليلة التى تبادلنا فيها حديثنا الأول، واتفاقنا على موعدٍ أول، وضحكتنا الأولى.. ثم ابتعد، كان علىّ أنا البقاء.

بانتظار بعض الأصدقاء للعودة للنزل معاً، جلست مُحَّمَّلة بإنهاك النهار الطويل على أحد المقاعد الخشبية، ومددت ساقى على آخر. لم يكن النوم هو الشىء الوحيد الذى أقاومه حين سمعت من يلقى علىّ التحية.. ابتسمت للشاب السمح دون اندهاش.. فى الغربة، يمكن لأى شخص أن يلقى التحية على أى شخص ويبرر ذلك بأنهما يتقاسمان أشياءً بجانب فكرة الاغتراب نفسها، يتشاركان فى كونهما رجلين أو امرأتين، أو فى كونهما عربيين، أو فى كونهما مجرد انسانين.

ألابد من مبرر ليلقى رجل التحية على امرأة لا يعرفها يلتقيان فى مكان ما من جنوب شرق أفريقيا فى الثانية صباحاً؟!

كنا فى تنزانيا…

كان جزائرياً، وكنت مصرية

كان وسيماً جداً، وكنت متعبة جداً،  وحبلى ببهجة لقائى برجلى الجميل منذ ساعة أو اثنتين.

سألنى عن اسمى فأخبرته فهمس “الله! اسمك جميل جداً”

تأملت وسامته، وجهه الأبيض العريض وشاربه الداكن ونظرته القوية اللطيفة.. سمعته يسألنى إن كنت لست مشغولة لأشاركه تناول القهوة أو العشاء أو أى شىء أختاره. لا أتحجج بتعبى كذباً، أنا متعبة فعلاً.. يعاود الكرة ويسألنى لو يمكننا ذلك فى وقتٍ لاحق، الغد مثلاً؟ أحاول أن أكون لطيفة وأنا أعتذر.. عذراً يا مصطفى.. لم أكن أعرف أن هناك جزائريين بهذه الوسامة و اللطف.. لو أنك فقط بكّرت قليلاً لكانت لديك فرصة.. لكننى سكننى اليوم شخصاً.. وقضى الأمر.

 

5

هناك أمرٌ ما فى موضوع القهوة.. كلما أراد رجلٌ مغازلتى سألنى إن كان يمكنه دعوتى إلى فنجان قهوة. لا أحد يدعونى إلى فنجان شاى، ولا إلى ينسون، ولا إلى عصير برتقال.

إما أن هناك سحر ما فى القهوة.. شىء من الأناقة؟ ربما. أو الأصالة.. ليس صحيحاً فالأجانب لا يدركون الجانب التراثى للقهوة. أو ربما شىء فى أنا.

بت أعرف أنه كلما دعانى رجل لفنجان قهوة لى أن أشعر بالإطراء.

 

6

فى جنيف أنتظره أمام محطة القطارات. البرد قارس. ساعة كاملة أذهب وأجىء أمام المحطة… لكنه فى النهاية يجىء. كعادته دائماً، يغيب جداً، ثم يجىء، ويظل موجوداً.

يا الله! كم افتقدته! يقبلنى على وجنتى بسرعة ويضمنى برفق.. ألا يمكنك أن تهصرنى أكثر من ذلك؟؟

  • لا أصدق نفسى، لم يكن فى مخططاتى أبداً أن آتى إلى جنيف هذه السنة.
  • ولا أنا.. تكيفى مع غرابة الحقائق، ألا يقولون لديكم فى مصر “الدنيا صغيرة”؟
  • يقولون الآن على الانترنت وفى الفضائيات “العالم قرية صغيرة”.
  • إذن فقد اكتشف المصريون حقائق الكون قبل العالم.. بجانب الأهرامات والطعمية التى تنازعكم اسرائيل فيهما. وأنتِ أيتها الفلاحة فى القرية الصغيرة.. كيف حالك؟
  • أفتقدك.

أقولها و أنا أبتسم ونستأنف مزاحنا السخيف.. أتذكر المرة الأولى التى نعتنى فيها بالفلاحة.

– لماذا لا نستطيع تشارك السرير؟ ألا تصدقين أنه يمكن لرجل أن ينام بجوار امرأة دون أن يلمسها؟ يا للحماقة! أتخافين منى؟

لا، لا أخاف منه ولا من نفسى كما يدَّعى.. يظل يسخر منى ويقول أننى أتصرف مثل الفلاحات الساذجات فى بلاده. حين نستقر أخيراً هو فى جانب الفراش وأنا فى الجانب الأخر يسألنى:

  • متأكدة أنكِ لا تريدين أن ألمسك؟
  • نعم. متأكدة.
  • حسناً.

يقولها ويدير لى ظهره وينام، بعد قليل أسمعه يشخر. هل أندهش أم أضحك؟ ما هذا الجنون!

 

7

فى باريس نلتقى بقاعة الاجتماعات، أنتقى مكاناً لا يجعلنى فى مواجهته مباشرةً كى يمكننى التطلع إليه حين يتحدث دون أن يعرف الأربعون فرداً الموجودون أننى أهيم شغفاً بهذا الرجل الذى يميل لينصت لتلك الفلسطينية السخيفة التى تهمس له بشىء لا أعرفه بينما شعرها الرائع يتدلل قليلاً على كم سترته.

فى طريقى للحمام أتجاهله، يستوقفنى ممسكاً بذراعى، ما زالت تلك الجذبة الصغيرة تثيرنى وتذكرنى بالمرة الأولى. يُعَرِّفنى بشخص مهم ويشرح له كم أننى مجتهدة.. أشكره على المجاملة بابتسامة لئيمة. حين ينفرد بى يسألنى متى يمكنه أن يرانى فى المساء. لا تزال الغيرة تأكلنى، والشوق كذلك، أجيبه : فى الثامنة.

سألنى أين أريد أن أتناول العشاء  فأجبت “أى مكان به حساء”. حين نخرج إلى الشارع يذهب دفء الحساء سدى.

  • تظن صديقتى أن كل شىء فى هذه البلاد بارد جداً.. جوها، ورجالها.
  • هل تظنين أننى بارد؟
  • أنت لست من هنا.

يقبلنى بشغف. “نحن فى الشارع”. يهمس بين القبلات “نحن فى شارع فى باريس ولسنا فى القاهرة!!”. أتساءل متى ستسكن الفلاحة إذن لو لم يكن بعد كل هذه السنوات!

 

8

فى بيروت أسأله بين فنجانى الشاى والفوضى العارمة التى أحدثناها بكل شىء.. متى يمكننى أن أكون موجودة؟

  • أنتِ موجودة.
  • أريد أن أكون موجودة دائماً، وبشكل طبيعى.
  • هذا غير ممكن.. وأنتِ تعرفين.
  • ألا تحبنى كما أحبك؟
  • أحبك طبعاً.. ولكن ما زال ما تطلبينه غير ممكن.

تعبت من اللف كعب داير على أزقة العالم وحاراته.. أنا فى باريس يومان.. أى جلسة ستحضرين لنوفق أوقاتنا؟ أنا فى لندن أسبوع.. تعالى لتقضى معى يومين ثم عودى لباريس. فى عمان التقيت به فى كافيتريا المطار، هو راحل وأنا للتو واصلة.

تعبت من الوجود ترانزيت.

فى القاهرة قلت ما لدى ورحلت.

و لم أسمع منه مرة أخرى. كانت أخر جملة أتذكرها هى أننى لم “أقاوم كفاية”. لا أدرى ما الذى كان علىّ أن أقاومه.. سواه. عشر سنوات وأنا مستكينة لهذا الشبح الذى أسرنى بكلمة “تعالى” فرحت، وأظل أروح، إلى اللامكان، واللازمن.. عشر سنوات لا أدرى أين وكيف تسربت.

ألم تعنى لديه شيئاً تلك السنوات العشر!

 

9

 

يأتينى دائماً كذكرى حلوة.

رائحة النسكافه فى الصباح..

طلة البحر من بعيد..

و ضحكات الفلاحات ذوات الأسنان المنفلجة فى قريتى.

أما آن لهذا الشبح أن يعود؟

أو أما آن لهذا الوجع أن يرحل؟

أستكين قليلاً  وأهمس لنفسى بحكمة فلاحة عجوز:

“حسناً… ليس بعد.”

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق