التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

أحمد شاكر يكتب: «هياج الإوز»

كتب: أحمد شاكر

مدخل:

الحياة؛ حيث يمكننا العيش. في المكان الذي نستطيع أن نتنسم فيه الحرية جيدا، بلا أدنى معاناة. وبعد ذلك، سيكون متاحا،

تطويع المكان، وصبغه بأسماءنا، وثقافتنا، وطريقة تعاملنا معه.

المكان، وإن كان مستودعا للذكرى، إلا أننا نحن من نودعه تلك الذكرى. نحن من نصوغه. فنحن وحدنا، نمتلك تشكيل ذاكرته، أو اعادة تشكيلها مرة اخرى، بأيدينا، وأرواحنا، وأسماءنا أيضا.

اشارة:

في ليبيا، قديما، قبل الثورة، وفي بنغازي تحديدا، أخذني صديق، لشارع مصري، به مطاعمنا، ومقاهينا، وأصواتنا، وأغانينا، وشتائمنا، وروائحنا. فيه تسمع صوت أم كلثوم يتردد، وعبدالحليم. وتشم في زواياه رائحة الطعمية.

في فرنسا، في رواية (خضوع)، لميشال ويلبك، يتنبأ الكاتب، بوصول حزب اسلامي (الأخوة الإسلامية)، للحكم، عام 2022، بزعامة محمد بن عباس، بطريقة ديموقراطية. حيث ستفرض حكومته التعليم الاسلامي، وتشجع تعدد الزوجات. ويهدف محمد بن عباس، الرجل الحداثي المتحضر، إلى إنشاء امبراطورية إسلامية أوروبية، على غرار الامبراطورية الرومانية.

في السويد أيضا، في (هياج الأوز)، لسليم بركات تعمل تاسو جاهدة، طوال الوقت على تجميع أكبر عدد من التوقيعات لتغيير اسم الشارع الذي تقطنه، من (كاترينا باركن، إلى الملا علي خابوت)، ولي القشدة في شتاءات قامشلوكي، على حد تعبير تاسو..

هياج الأوز:

موضوعنا. يوهمنا بركات في مدخل روايته، بجدية واقعيتها؛ حيلة سردية طبعا. فيذكر أسماء نساءه، بطلاته (تاسو، نازلي، شيراز، راوت، شتولا، ريحاني، درخو، زليخا، سلام)، وأمام اسم كل واحدة منهن سنها، ورقم هاتفها، قائلا: (ومن يرد التأكد من أمر التبس عليه، أو الاستفسار عن ملغز أو معطى مرتبك، ففي مقدوره الاتصال بالشخصيات الرئيسية، على أرقام هواتف منزلها، لا غير، بعدما رفضت اعطاء أرقام هواتفها المحمولة).

في هياج الأوز تجتمع بطلاتنا المهاجرات من بلاد الكرد إلى مملكة السويد بأقصى الشمال، الذي يطلق عليهن الراوي؛ مطلقات السويد، أو صاحبات الأسرة الجائعة، أو الإرهابيات، مساء كل سبت في ضيافة احداهن، يتبادلن الكلام حول: الهجرة، واللجوء (شتولا تعمل مترجمة في دائرة الهجرة)، والشعر (درخو شاعرة)، والجنة، والانترنت، والهواتف المحمولة، والموسيقى، والمطاعم، والطبخ، والزواج، والطلاق، والأولاد، والكلاب، والرجال، والفروج، والمؤخرات، والأثداء، والخصى، والايور..

أحمد شاكر
أحمد شاكر

خيبات الجسد:

نساء بركات، المطلقات، لياليهن مليئة بالتلفظ بالقذارة، على حد تعبير شيراز. التي تؤمن على كلامها نازلي، قائلة: (فلنتعفف عن هذه السفاهات ليلة واحدة). وتؤكده، درخو متهكمة، (اغسلن أفواهكن، أيتها الإرهابيات، ببعض الجعة، أو النبيذ. سنتعفف، هذه الليلة، عن كلماتنا الفاجرة، الفاسقة).

عشن جميعا، تجارب جسدية فاشلة، لو جاز التعبير. أو تجارب لم تكتمل. طعنها الطلاق أو الانفصال. فأعقبها صوم. صوم طويل، عن المضاجعة. حتى أن ريحاني، قالت، ذات سكرة: (أنا جاهزة لتقبيل امرأة قبلها رجل قبل يومين. أنا جاهزة لتقبيل امرأة قبلها رجل قبل أسبوع)..

لكن حتى لو كان كل هذا الجوع للجسد، وللأسرة، وللرجال، الذي تنضح به حياة أولائك النسوة، فهل كان سليم بركات، بحاجة لإغراق روايته، بكل هذه الألفاظ الفجة، التي تزن أكثر من نصف وزن الرواية ككل؟ فلا توجد صفحة واحدة تخلو من فرج، أو خصية، أو أير.

مجرد سؤال..

نهاية غير متوقعة:

على مدار الرواية، وفي كل فصل من فصولها العشرة، يحكي الراوي عن رحلة كل واحدة منهن؛ من المنبع (من بلاد الكرد)، إلى حيث أوصلتها الخيبة، حيث ليلة السبت من كل أسبوع. ساردا تفاصيل حياتها، وحياة أبناءها، واهتماماتهم، وشغلهم، مصورا، تفاصيل مجتمع، ينمو، داخل ثقافة، مختلفة تماما عن جذوره، ومبينا تفاعل الكل معها. مجتمع يندمج، وينمو. يتفاعل ويتخبط في أمواج الحرية العاتية.

لكن في النهاية ينفرط عقدهن، واحدة، واحدة. حتى أنهن لم يذهبن مع تاسو (ذهبت نازلي معها، فقط)، إلى ساحة رنكبي، ليؤازرنها، أو ليتضامن معها، في طلبها، بتغيير اسم الشارع  الذي تقطنه، من كاترينا باركن، إلى اسم الملا علي خابوت، التي جمعت له آلاف التوقيعات.

ولكن الأمر لم يتوقف عند خذلان الصاحبات، لتاسو، بل كانت المفاجأة المدوية، بحضور صوماليين، إلى نفس الساحة، ومعهم عريضة، مكتوب عليها بالسويدية: لا شارع كاترينا باركن، بل شارع مغديشو- عائشة).

إذا فالمهاجرون، سيعيدون صوغ تاريخ أوروبا مرة أخرى. هل يريد بركات قول ذلك؟

الشعر، وحضوره:

ولأن بركات، في الأساس شاعر. أو آت للرواية من عالم الشعر. فالشعر هو عنوان العمل الأبرز، فالتأمل، ولو للحظة واحدة، في عناوين الفصول الإحدى عشر، يخبرك حتما بأنك على مشارف التهام نثر شعري، أو قصائد نثر. لنقرأ هذا العنوان: ثرثرات الأرواح في ثيابها الضيقة: نشأة العقل. أو هذا؛ عنوان الفصل الثاني: جغرافيا دخان التبغ المتناثرة الأطراف بلا شواطىء، أو سكان الصوت وحدائقه، أو هذا أيضا: قبلة بلا انقطاع. أو: قبلة لم تنجز بعد.

اللانهائي ونشوته:

يقول أمبرتو ايكو في اعترافات روائي ناشئ: أن الغاية الحقيقية من كل لائحة جيدة هي تبليغ فكرة عن اللانهائي ونشوته. وهياج الأوز، أكبر دليل على ولع سليم بركات، بتلك النشوة للانهائي من خلال لوائحه/ قوائمه، المتعددة: فمدخل الرواية، به لائحة، بأسماء البطلات وأمام اسم كل واحدة منهن سنها، ورقم هاتفها. وفي الصفحة 61 يسرد لنا لائحة، بأصناف يحتويها دكان للسلع الشرقية، بشارع اسمه إيريك تافاست. وفي الصفحة 63 قائمة بطرق عمل الكباب. وفي الصفحة 111 قائمة لنكهات وأطعمة. وفي الصفحة 289، و303 قائمة، طريفة جدا، بالخصى. وفي الصفحة297 قائمة بالأشجار في السويد. وفي الصفحة 314 و315، يسرد لنا لائحة طويلة بطباع الفروج: فروج لها طباع العمارات، فروج لها طباع الشوارع، فروج لها طباع الشواطىء، فروج لها طباع خزائن الثياب…، وفي الصفحة 316 و317 و318 لائحة أطول بأنواع تصرفات الفروج: فروج تتصرف كطلبات شراء الألبسة على الإنترنت، فروج تتصرف كحقول غاز، فروج تتصرف ككاسحات ألغام، فروج تتصرف كسكر لا يذوب في شاي فاتر..

إنها الرغبة في الكلمات، وفي العلم المرح. على حد تعبيرايكو.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى