التخطي إلى شريط الأدوات
قصةمشاركات أدبية

برّاد صيني

كتب: محمد ممدوح عبد السلام

جسده ناصع البياض، خصره نحيل، محاط بغابة من أشجار ورقها ملون، رسمها شاب في ظهيرة شتوية بعد أن تركته حبيبته. وضع مع آخرين في حاويات ضخمة لم ير داخلها الضوء. نقل علي سفن عبرتْ أنهارًا ومحيطات إلي أماكن متفرقة، عرف فيما بعد أنهم يطلقون عليها دولاً، ليفقد في إحداها صديقته “الشوكة الفضية” التي انتقلتْ إلي ميناء مغطي بالثلج طوال العام . استقر بصحبة طقم أطباق وفناجين في نقطة تحتل قلب العالم، وتسطع عليها الشمس في بيت من طابقين لزوجين دامت خطبتهما ست سنوات، كتبها الزوج في يوميات مفصلة وزعت بالتساوي علي اثنتي عشر أجندة سميكة جداً، احتوت إحداها علي وردة متيبسة أهدتها له العروس منذ خمسة وعشرين عاماً بالضبط . العروس المتعلمة تباهت به أمام جيرانها الذين نظروا له بانبهار ساذج، يليق بأوائل ثمانينيات القرن الماضي. لقد ظنوه كوباً كبيراً لشرب الماء. لكنهم تفاجئوا أن الشاي الساخن يخرج من فمه المنمنم، قريباً من حافة فناجين ناصعة البياض في عصاري السبت، التي يزورون فيها العروس ويلتهمون الكيك الذي يجهلون صناعته. نشأتْ ألفة بينه وبين مقاعد الأنتريه بأرجله وإطاراته المطلية بماء الذهب؛ ليس لأنه جاء بعده في ترتيب الجهاز، وإنما لتجواله معه في المناطق المجاورة للبيت ذي الطابقين، ليكونا أول شيئ تقع عليه عين الزائر في مباراة المباهاة التي لا تنتهي عند أي مناسبة، مهما بلغت تفاهتها. تناقلته الأيادي الخشنة في البيوت الغريبة، ليصب أنواعاً رديئة من شاي لم يعتد عليه. يرفعوه لعلوٍ شاهق كي يصنع رغوة بيضاء علي سطح أكواب زجاجية صغيرة، أثارت اشمئزازه وخوفه لأنها عكست وجوههم مفتتة إلي نقط  بيضاء متشابكة، فاحتار في تمييز الأعين والأنوف ونسبتها إلي أصحابها. في نهاية اليوم يكسر طبق فنجان صغير نقش في منتصفه نهاية طريق هادئ، بدأ مدخله من الفنجان الذي شعر بتأنيب الضمير عند عودته إلي”النيش” في صدارة الصالة، مستقراً فوق اللوح الزجاجي دون طبقه المفضل، كما لو أن ذلك خيانة

لأمانة الفنان الذي نقش طريق ذكرياته عليه. زحف القدم علي كل شئ ببطء مميت، حتي أن العروس ـ سيدة البيت التي فقدت بريقهاـ وضعتهم في زوايا مهملة وسط قصاصات أقمشة ووسائد قديمة، واهتمت بإزالة الأتربة كل عامين إذا جدّت مناسبة تستدعي ذلك. تحول مع الباقين إلي تاريخ لا يبعث علي الفخر إلا عندما تتأزم الأمور مع إحدي الجارات، فتهرع إلي التفاخر به عوضاً عن إهانة لحقت بها، مع أنها تعلم أن حوائط البيوت ـ التي كانوا يستعاروا لهاـ أصبحت أكثر نضارة بالألوان التي لم تعد تراها إلا في الأفلام السينمائية. كان الزوج بعد وصلة غضب يفتح باب البوفيه الكبير ويلتقط طبق فنجان صغير يطفئ في منتصفه أعقائب سجائره، بديلاً عن منفضته التي اختفت في ظروف غامضة. الطبق كان أخف حركة من البراد، فبدورة واحدة منه كان يري سماء الخارج، وسرباً من طيور بيضاء يحلّق فيها بلا خوف. لم يعد البراد يري شيئاً بعد أن أصبح الطبق مغطي بطبقة سوداء أثارت خوفه؛ فأدرك أنه الموت. أعرف أنكم لا تقيمون وزناً لمشاعرنا، فتضعونا في زوايا خانقة لن يحتملها أكثركم قوة، فالظلام حالك داخل البوفيه إلا من فتحة دائرية كانت في الأصل موضعاً لمقبض الباب الصغير. ومن تلك الفتحة تسرب ضوء نحيل بث في الأمل وهدّأ من خوفي، لأتلصص من خلالها علي العالم وأري براد الألومنيوم،  سرطان  العصر الذي أخذ مكانه وأماكن أقرانه، علي امتداد مساحات جغرافية واسعة. افتقد للمهابة وسط أكوابه الزجاجية الصغيرة بالكدمات التي تركت في جسده ندوباً غائرة، استقرّت فيها قطرات ماء خلّفت بعد جفافها لوناً رمادياً أعطي انطباعاً سيئاً عن مستوي النظافة في هذا البيت. حكموا ضمائركم الصدئة في براد صنع بحس فنان مرهف في أجمل بقع العالم، التي استمتع فيها بمذاق الضوء والريح، مقيماً صلواته للرب بصحبة طيور ملونة عند غروب الشمس، ثم انتهي به الحال في الظلام وسط فناجين ميتة. أخرجوا البراد من مخبئه ووضعوه فوق قاعدة الشباك. بكي الولد الصغير خوفاً من التراب وخيوط العنكبوت التي غطّت جسده. لمح عربة في الشارع يجرها حمار هزيل وتقف أسفل البيت. كانت محملة بأشياء

جميلة انتهت صلاحيتها وأصبحت عبئاً علي أصحابها، الذين تخلصوا منها في مشهد جنائزي مهيب لن تشعروابه لأنه لا يخص عالمكم. نقلوا الفناجين إلي العربة للأسفل، فخيل للبراد أنه يري دموعهم، عندما أمسكتْ الزوجة بالفنجان المكسور الذي يبدأ منه الطريق، وينتهي عند الطبق الذي أمسكه الزوج. لقد تقاسما طريقاً لا يخصهما بأي حال. نقل البراد إلي المطبخ وانتظر فوق رخامة بجوار الثلاجة، حتي تنتهي الزوجة من غسل الملاعق. وقف بجانبه كوبان زجاجيان بقاعهما شاي وسكر يرتجفان من الخوف، لأنها المرة الأولي التي يستقبلان فيها الماء المغلي مباشرة، تساءل: أين براد الألومنيوم إذاً؟. علّق من مقبضه الأسود ب” جنش” جانبي لمطبقية صغيرة علّقتْ فوق رأس الزوجة، التي غسلت غطاءه من رماد سجائر زوجها العصبي. وضع البراد الصيني في قاع الحوض. فاض الماء البارد علي جسده. جرت عليه أصابع الزوجة بإسفنجة منتخفة بطبقة من سائل بريل. عاد لجسده نضارته ولحديقة الفنان الشاب التي تفتحت أزهارها من جديد وكأنها رسمت للتو. باعوا قصاصات ووسائد ميتة وقف فوقها البراد ليري العالم. أصبح وحيداً الآن، يرقب الضوء المار أعلي رأسه، ليبدد الظلام المحيط به فانشغل البراد بحركة الشاب بين أشجار حديقته المرسومة علي جسده ناصع البياض. لم يغادر الشاب حديقته بعد أن شحن البراد إلي الخارج، علي أمل أن تأت حبيبته التي قابلها خلسة من خلف ظهر أبيها، الذي أطلق عليه أسوده الشرسة لقتله، لكنه نصب لها الفخاخ واصطادها جميعاً ليترك لحمها للغزلان التي تشرب من البحيرة الملاصقة لبيته. يتدثر بفراء الأسود متأملاً وجهه الشاحب علي سطح البحيرة. يهمس له القمر بأن حبيبته ستأتيه ذات يوم، فقط عليه أن ينتظرها حتي تتخلص من السجن الذي وضعها فيه أبوها. جرّب الذهاب ليخلصها، إلا أنه تاه في حديقته الشاسعة. اكتفي بنحت الأشجار لتجسد المرّات التي تقابلا فيها قبل اكتشاف أمرهما. ملّ البراد من متابعة الشاب تاركاً إياه لتاريخه المنحوت، وفكّر في الأنتريه المتروك في حجرة جانبية ينتظر تغيير أرجله وإطاراته المذهبة بأخري جديدة، لم تكن متناسقة مع بقية الأجزاء. أعادوا تركيب القديم منها بدق المسامير في صالة البيت وطلائها من

جديد. لم تحتمل الأرجل المزيد فقرروا التخلص من الأنتريه. بيع لأخت الزوجة بمائتي جنيه، فشعر البراد أن نهايته تقترب. حطم الشاب منحوتاته فرحاً عندما أخبرته الطيور الملونة أن حبيبته في الطريق إليه بعدما قتل والدها بطريقة غامضة أثناء رحلة صيد. وفي البيت عرف البراد أن الولد الصغير الذي بكي عندما رأي التراب يغطي جسده، قد كبر وتزوج فأنجب بنتاً اسمها”فريدة”، بدأت المشي عندما بلغت عاماً وعدة أشهر. أثناء تجوالها في البيت وقفت فجأة وتطلعت لباب البوفيه المغلق، وكان البراد خلفه يعتصره الخوف. قبضت البنت بأصابعها الطرية علي خصره، سارت به خطوتين لتفلته يديها فيتهشم إلي نصفين، وبين الشاب وحبيبته عشر خطوات، لتنشق الحديقة في الخطوة الثامنة ويقع الشاب في هوة سحيقة بلا قرار.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. تشبه أفلام الكرتون الموجهة للصغار والكبار وهى بانوراما مكانية وزمانية ورحلة طويلة نرى خلالها حيوات مختلفة مركزها ذلك البراد الراوى إذا صح التعبير – وهو صحيح – تتميز القصة بشىء ينتبه إليه القارىء بشدة وهو أن القصة تتسع لمشاهد أخرى ومختلفة يمكن لهذا القارىء إضافتها ، وهكذا مع القراء الآخرين ، إنها بهذا تشابه ما أنتجته القريحة الجمعية من آثار سردية ما زالت تعيش .. قصة طريفة تخرج من مركزية المشهد الإنسانى إلى مشهد الأشياء المحيطة بالإنسان ولا تكتمل وجودية الإنسان إلا بوجودها .. تحيتتى للموقع وللكاتب

اقرأ أيضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى