التخطي إلى شريط الأدوات
قصةمشاركات أدبية

حكايات مصرية جدا: «الفحل»

كتب: هشام الخشن

حكايات مصرية جدا (2)
 
ما زالت أيامه فى طقم ضيافة مركب الأقصر- أسوان هى الأحلى، ولِمَ لا؟؟ وماذا يطلب شاب فى أوائل العشرينيات أكثر مما تعطيه هذه الوظيفة، فهو مسئول تأمين الأفواج عند زيارة المعابد، وهى وظيفة وهمية، فالمعابد مؤمنة بشرطة السياحة أما هو ومن يماثله فدوره أن يعطى السياح إحساس الأمان، وذلك بناء على طلب شركات السياحة الأجنبية التى تطلب هذا التأمين الإضافى.

وكانت عضلاته المفتولة كافية لإعطاء من يراه هذا الإحساس، أما باقى الدور فهو السير أمام وخلف وجانب الفوج مراقباً ومترقباً وكأنه يعرف ماذا يفعل، وفى الحقيقة هو يفكر أين سيجرى إذا ما حدث هجوم إرهابي.

كان لون بشرته الأسمر جذاباً للسيدات الأوروبيات خاصة ممن بلغن الخمسينيات.

تذكر أول مرة شاغلته سيدة ألمانية حين قالت له بكلمات قليلة وإشارات كثيرة إنها ستنتظره فى غرفتها بعد العودة إلى المركب، تذكر سذاجته حين ظن أنها ستعطيه إكرامية، وبالدولار أو المارك.

لم يخطر بباله أى خاطر أو فكرة عما سيحدث فى هذا اللقاء، ولكنه لم يكن كامل السذاجة فقد حصل على الإكرامية، وبالمارك الألمانى، ولكن بعد ما أدى خدمات فقد معها عذريته، ويبدو أن فحولته مبهرة، فما زالت الابتسامة على وجه السيدة الألمانية وحجم الإكرامية قبل خروجه من الغرفة يؤكدان أن هرمونات ذكورته متدفقة.

ويومها ثبت فى ذهنه أنه غالباً حصل على أحسن وظيفة فى العالم، فهو يمارس الجنس المحروم منه تسعة وتسعون بالمائة من الشباب فى مثل عمره، ولا يمارسه فقط ولكن يحصل على الإكرامية مقابل ذلك.

ومنذ ذلك اليوم تطور أسلوبه فأصبح يفحص الفوج جيداً، وأثناء زيارات المعابد يعرض نفسه بهدوء وروية، ويختار بتأنٍ، ولِمَ لا؟؟ فالمعروض محدود والطلب عال.

وأصبح ثابتاً فى خاطره أن السيدات متوسطات العمر الأجنبيات يزرن مصر أولاً ليمارسن الجنس وثانياً لزيارة الآثار، ولم يعد لديه شك أنه كما علمه الفلكلور المصرى بأن كل الأجنبيات عاهرات وسهلات المنال صحيح، وأن المصرى الفحل يستطيع الحصول على أى منهن دون أدنى مجهود، بل ويستطيع التكسب من ذلك أيضاً.

وأصبح روتينه يشمل زيارة المعابد والغرف المغلقة، وبحيطة وسرية وهمية تصور أن أحداً لا يشك فيما يفعله، وبغرور تصور أنه الوحيد الذى يحظى باهتمام السيدات الأجنبيات فى حين كان الكثير من زملائه يمارسون العمل الإضافى نفسه، وكانوا جميعاً لا ينسون أداء الفروض فى الوقت ذاته وجماعة، فالمصريون هم الذين ثبتوا أن تلك نقرة وتلك نقرة أخرى.

ومع الوقت وتدفق المال بدأت فكرة واحدة تشاغله، فكرة السفر للخارج، وتحولت الفكرة إلى حلم .. والحلم إلى خطة .. والخطة بسيطة، سيطلب من إحدى صديقاته دعوته لزيارتها، ولم ينتظر طويلاً، إذ يبدو أن القدر قد بعث له صديقة لديها خطة تتكامل مع خطته.

 كانت هيلدا سيدة ألمانية على مشارف الخمسينيات أو تعدتها بقليل، فى سن أمه ولكن شتان الفارق، فهيلدا جسمها رياضى مشدود ووجهها نضر ومملوءة بالحياة، وأمه جسمها انفجرت فيه الدهون فى كل الاتجاهات، ثم اتبعت قوانين الجاذبية فتهدلت جميع تضاريسها إلى أسفل، ودون أحداث حزن حقيقية فى حياتها تحولت تقاطيع وجهها إلى مرآة مآسٍ، وكأنه جزء من الأمومة المصرية أن يكون وجهها حزيناً.

هيلدا سيدة ألمانية بجميع المقاييس، تعرف ما تريد ولا تتردد فى السعى للحصول عليه، متزوجة منذ عشرين عاماً ولديها ابنة من علاقة سابقة للزواج عمرها ثلاثة وعشرون عاماً، زواجها أصبح زواجاً شديد الأدب مليئاً بالإتيكيت ومراعياً لجميع البروتوكولات وطرفا العلاقة راضيين ومرتضيين، الزوج بدأ أولاً فى الحصول على رغباته خارج البيت ثم تبعته الزوجة فى الطريق نفسه، اتفاق غير مكتوب بينهما بأن يعودا دائما للنوم كل بجانب الآخر، وألا تشكل العلاقات الخارجية عبئاً مالياً ولا اجتماعياً على البيت، وأصح بنود هذا العقد هو السرية والبعد عن الفضائح، الزوج وجد مراده من خلال أسفار عمله الكثيرة فى مدن ألمانيا، ولم يكن له ولو علاقة واحدة فى فرانكفورت حيث يقيمان إلاماندر من بائعات الهوى، والزوجة تقوم برحلة أو رحلتين فى السنة ترضى خلالهما شغفها الجنسى، وكلها رحلات إلى بلاد غريبة ولكن رجالها مشهورون بقدراتهم، الجابون، البرازيل، وأخيراً مصر – وبالذات صعيد مصر- كما حكت لها إحدى صديقاتها، ولكن هذه المرة كانت لديها خطة أكثر طموحاً ساعدها عليها توحد الألمانيتين وحصولها على بعض أملاك جدها فى ألمانيا الشرقية سابقاً.

قررت أن ترضى شغفها فى ألمانيا أيضاً على مدى أطول وليس من خلال السفر فقط، قررت أن يصبح لديها عاهرها الخاص من العوالم والبلدان التى زارتها.

والحقيقة أن صديقنا كان مذهل الأداء وذا صفات جسمانية مميزة، حتى إنها قررت أن اسم تدليله المناسب هو الفيل بما كان له من حجم ذكورى.

وصارحته سريعاً بأنه سيكون لها فقط وحصرياً طوال زيارتها لمصر، وقد كان، أسبوعاً وهو يرضى شغفها وطلباتها ويزيد، حتى قررت أنه المطلوب وفاتحته فى أنها تريد أن تدعوه لزيارتها فى بلدها، يومها ابتسم عقله وأحس أن الدنيا قد فتحت له ذراعيها، فالآلاف يتمنون فرصة السفر إلى خارج مصر وها هى تتاح له دون حاجة لصرف مليم من جيبه، وبدأت أحلامه تتحور فى ذهنه إلى حقيقة، سيذهب إلى ألمانيا وسيقتحم أوروبا من أوسع أبوابها، وسيعمل وسيصبح قصة نجاح كالقصص التى طالما سمع بها وحلم أن يكون بطلها.

شهر أمضاه فى تحضير جواز سفره والوقوف أمام سفارة ألمانيا والحصول على التأشيرة، وشراء البدلة الخضراء ذات الخطوط اللامعة لزوم الرحلة، وتحويل كل قرش يملكه إلى المارك الألمانى العظيم.

وجاء يوم السفر فلم ينم ليلته وكان فى المطار قبل أن تفتح شركة الطيران مكتبها، وهو يرتدى البدلة الخضراء ورابطة العنق الزرقاء فى عدم تناسق ملتصق بمصرى يسافر لأوروبا لأول مرة، وكأن المصريين يريدون أن يوحوا لضباط جوازات أوروبا بأنهم يجب أن يسألوا عن سبب مجيئهم، فها هو وسط طابور جوازات مطار فرانكفورت يشذ عن كل من بالطابور بملبسه وعيونه الزائغة، كأنه يفعل ما هو غير قانونى حتى قبل أن تطأ قدماه تراب البلد، ولم يخذله ضابط الجوازات بل أعطاه الخدمة الكاملة إلى حد الاحتجاز فى غرفة مغلقة لحين وصول هيلدا لتضمنه.

18 عاماً مضوا منذ ذلك اليوم، تذكر الأيام الأولى فى منزل هيلدا، وكيف اعتراه الخجل لوجود زوجها وابنتها وهى تتصرف بدون أى خجل ولا حمرته حتى.

أيام غريبة ولكن اعتادها، مازال يذكر حين رفض محاولات الابنة من باب الولاء لهيلدا، وكيف عنفته هيلدا ودفعته دفعاً ليرضى رغبات ابنتها، تذكر كيف أرسلته كهدية عيد ميلاد لأعز صديقاتها، وتذكر كيف خرج مع الزوج إلى الملهى ودفع الزوج إلى المرأة بالملهى لتضاجعه، كانت أول مرة فى حياته لا تدفع له المرأة مقابل خدماته، ثم زواجه من صديقة الابنة، وحصوله على جواز السفر الألمانى، ومروره من مدخل الألمان بالمطار وسط نظرات الشك فى أعين ضباط الجوازات، ووقوفه فى طابور جوازات مطار القاهرة فى طابور لا يرحم رغم حمله الجواز المصرى، وابتسم على حجم الجواز الألمانى الصغير ذو الإمكانيات وحجم الجواز المصرى، الذى يذكره بدفتر عم حسن البقال، ولكنه جواز بلا مكانة حتى فى مطار بلده.

كيف دارت الأيام واضمحل الحلم، تذكر وظيفته الأولى فى سوق الخضار، وظيفة  بلا مستقبل ولكنها توفر حياة كريمة، وتكفل زيارة للقاهرة كل عامين أو ثلاثة، ثم وصوله إلى أن يكون سائق تاكسى، وعلى الأقل الآن حين يحكى للعائلة أنه يسوق مرسيدس فإنه لا يكذب.

ثم طلاقه، وابنتيه الألمانيتين اللتين يمنى نفسه بأنهما مسلمتان فى حين أن قدرته على التواصل معهما ضعيفة ضعف لغته الألمانية.

 والحلم الذى أصبح سراباً ولكنه بنفس راضية تعلم الحمد، وبما غرسه بداخله أهله حين ربياه دائما شاكراً على ما أخذ، أصبح جامع فرانكفورت ملاذه، وأيامه متشابهة بلا أحداث، كل يوم بلا جديد وكل جديد إن حدث فبلا طعم، وحين يزور أهله يبكى فى حضن أمه المتهدل، يبكى شوقه ويبكى عدم قدرته على الرجوع بالزمن……آه يا زمن.

“عقل الإنسان وليس أعداؤه أو خصومه،

 هو ما يسهل له طريق الرذيلة”

 بوذا

 

 

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى