التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

عمرو العادلي يكتب: حكاياتي مع نجيب محفوظ (الحكاية الثانية)

   كتب: عمرو العادلي

عمرو علي العادلي

          

بعد أن عشنا تفاصيل الضجة الكبيرة بمناسبة فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل في الآداب، وتحديدًا في الأيام الأخيرة من عام 1988، اقترح المخرج المسرحي لقصر الثقافة علينا (فقد أصبحت من فريق القصر لمجرد كتابة أغنية في عرض مسرحي) أن يقوم بإعداد نص مسرحي لنجيب محفوظ، ووقع الاختيار على رواية زقاق المدق، فهي من الكلاسيكيات، رواية شارحة نفسها كما يقول المخرج ولن تحتاج إلى مجهود خارق لتمثيلها على خشبة المسرح، وكانت المعضلة الحقيقية أن المخرج اختارني لمشاركته في الإعداد المسرحى للنص الأدبي.

وما جعل طلبة يمثل مشكلة كبيرة بالنسبة لي كان شيئين، الأول أن هناك مؤلف رسمي للفرقة يكبرني بخمسة عشر عاما. وكتب ثلاثة نصوص منها عرض مسرحي نال الجائزة الثانية عن قطاع شرق القاهرة، والمشكلة الثانية أنني قرأت النص من قبل ولم أكن أدرك بشكل حقيقي الفلسفة المرجوة من الرواية.

ولكن المخرج طمأنني، قال لي أن ما أستوعبته من النص يكفي لإعداده مسرحيا. ذهبت إلى البيت ومعي الرواية، قرأتها للمرة الثالثة ولم أشعر بإضافة جديدة، محاولات الفهم القسري جابت نتيجة عكسية، ووجدت أن ما عانيت حتى فهمته قد بدأ في النقصان، أغلقت الرواية وذهبت في اليوم التالي إلى قصر الثقافة، أشكو للمخرج من عدم مقدرتي على مواصلة الإعداد المسرحي للرواية، فطلب مني المخرج أن ابتعد عنها لمدة ثلاثة أيام، وبالفعل تركتها، وعندما عاودت القراءة من جديد وجدت ذهني أكثر صفاء. كان المخرج محقًا في اقتراحه بالابتعاد المؤقت عن النص.

انتهيت من الرسم المسرحي للشخصيات، ولكن المخرج رأى أن ما توصلت إليه ينقصه المناقشة مع فريق العمل، وكان أول درس تعلمته من المخرج، أن ما أعتقده وأنا وحدي ليس بالضرورة أن يكون تصورا صحيحا أمام الجماعة، فبدأت أحسب الحسابات للآراء الأخري قبل أن أتكلم.

انتهينا من إعداد النص، ولكن ما حدث بعد ذلك أفسد متعتنا في المشروع ككل، فالمؤلف الرسمي لفرقة قصر الثقافة المسرحية اعترض بشدة بعد أن دخلنا في الجد، بروفات وإعداد للديكور وإعلان عن طلب كومبارس، كان المؤلف الرسمي وكأنه يملك سلطة ما، سلطة أعلى من المخرج نفسه، عرفت فيما بعد أن السلطة التي يستند إليها هي فوز مسرحية كتبها منذ عام مضى، كانت تحمل اسم “جيل ما يعلم به إلا ربنا” وفازت هذه المسرحية بالمركز الثاني على قطاع شرق القاهرة لم يكن ذلك سببا مقنعا ليتعالى علينا بهذا الشكل، فقد كان يكلمنا من طرف مناخيره.

ازدات الأزمة تعقدا، عندما حدثت مشادة كلامية بين المخرج والمؤلف الرسمي، تطورت المشاحنات يوما بعد يوم حتى تسببت في توقف العمل تماما على رواية “زقاق المدق” الرواية التي اخترناها لنجيب محفوظ.

نسيت تصوراتي عن رواية نجيب محفوظ، لأن شهرين مروا بدون استكمال الإعداد للرواية، ونسيت أيضا ما تعلمته على يد المخرج، كتبديل السرد في الرواية إلى حوار في المسرحية، وتخيل الديكورات في كل مشهد أقوم بكتابته.

استمرت الأزمة شهر أو يزيد، حتى هلّت الأيام الأولى من العام 1989، ولم تكن الأزمة قد حُلت بعد، المؤلف يرى أنهم جابوا “حتة عيل” (كان يقصدني) ليعد مسرحية من المحتمل أن تحصد جوائز لو كتبها هو بدلا منّي، كان من الممكن للمخرج أن ينحيني عن إعداد النص بسهولة ويعطيه للمؤلف الرسمي، ولكنه لم يفعل لسبب لا أعرفه، وبدلا من تهدأة الخلاف ازدادت حدته بينهما بشكل متسارع، حتى جاءت ليلة لم ينساها أحد من أفراد الفرقة. ليلة أنهت علاقتي برواية نجيب محفوظ نهائيّا، ذهبت إلى القصر فكان المخرج والمؤلف يتناقشان بهدوء حول نفس الموضوع، كل منهما يدفن كوب شاي في قبضته، عندما دخلت كانت وتيرة الحوار تتسارع تعلو بشكل غريب، حتى أنني بدلا من أن أنتظر كوب شايي أنا الآخر؛ قمت بالتخليص بينهما لأن الحوار تحول في ثوانٍ لزعيق وجلبة لفّت القصر كُلّه، قام كل منهما بتحفز شديد للانقضاض على الآخر، بدون أي سابق إنذار تناثرت بقع الشاي وقطع الزجاج من حولنا وتلطخت يديّ بالثفل عندما كنت أحجّز بينهما، بعد عناء استطعت أن أجذب المخرج بعيدا عن المؤلف الرسمي، تضامن معنا في التخليص وفي الكلام عن العشرة والأخلاق والعيب والـ “ميصحش” كلّ من الملحن والبنت التي قامت بدور مصر في أوبريت “نجيب نوبل” وكانت ستقوم بدور البطولة في المسرحية المغدورة “زقاق المدق”

جلس المخرج وبدأ الهدوء يعرف الطريق إلى ملامحه، قلت له:

  • معلهش يا أستاذ. يمكن يكون مغرور حبتين علشان مسرحيته خدت جايزة المركز التاني على قطاع شرق.

نظر المخرج في اتجاهي نظرة تحدٍ وقال:

  • يا ابني مركز تاني ايه، دا هما كلهم كانوا فرقتين بيقدموا عرضين، واحد فاز بالمركز الأول والمسرحية بتاعته ادوها المركز التاني كده. اللي هوّ المركز الأخير يعني.

بسبب هذه الواقعة أجهض مشروع رواية زقاق المدق، وأجهض معه حلم تقديم مسرحية عن نص روائي لصاحب نوبل، نجيب محفوظ. ولكن المخرج اقترح اقتراحا آخر أخرجني من هموم اقتراحه الأول. كان هناك كاتب مسرحي شاب سمعنا عنه كثيرا، اسمه محمد سلماوي، اقترح المخرج أن نُعد نصا من تأليفه لنعرضه في الموسم الجديد.

(إلى اللقاء في الحكاية الثالثة)

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى