التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

لماذا نكتُب ؟

كتبت: شيماء الماريه

 

وضعني هذا السؤال فى مأزق أمام نفسي ؟؟ أعادني  لذكريات مضت تعدّت العشرين عامًا وحينها صُعقت … كم تغيرت الأسباب وتعددت الأهداف بل كم تغيرت أنا وتغيرت أسبابي للكتابة .

فى البداية كنت أكتب كطفلة،  كانت تنظم بعض أبيات الشِعر الساذجة والقصص الطفولية ,, فقط لترى فى عين والديها تلك النظرة السعيدة بطفلتهم ذات الثماني أعوام والتى تكتب أشعارا كانت ترى بكل فخر أنها تستحق النشر بل والحصول على جوائز عالمية ;

أما  فى المرحلة الإعدادية فقد كنت فتاة مختلفة نوعًا ما أو بالأصح فتاة غريبة , كانت هوايتي المفضلة فى الإجازة الصيفية هى كتابة القصص والروايات طوال الليل والنهار وحينما أخرج كان يجذبنى بريق الكُتب فى أى مكان، وكنت بدلا من أن أقف أمام واجهات عرض محلات المصوغات الذهبية أو الملابس , كنت أقف أمام بائعين الجرائد اللذين كانوا يفترشون الأرصفة فى كل مكان،  تجرى عيني بنهم على كل الكتب المرصوصة أمامي لكبار الكّتاب وأنا أحلم وأفكر أننى فى يوم من الأيام سأكون معهم وستُعرض كتبي بجوار كتبهم فى المكتبات والمعارض ..

وفى المرحلة الثانوية والجامعية ازددت التصاقا بحلمي و أعجبني كوني متفردة بين زملائى بموهبتي , فكنت أطير فرحا بنظرات إعجابهم بكتاباتي حينما أقرأ لهم ما أكتب , ومع أول قصة قصيرة نشرت لى فى جريدة الجامعة شعرت بزهو وفخر شديدين من رد فعل كل من قرأ ,, شعور جديد حينما كان يستوقفني زملائي أو طٌلاب آخرين لا أعرفهم يهنئونى  , أو يبدون إعجابهم الشديد بما كتبت ,, وقتها وبزهو فتاة فى العشرين كنت أكتب لأرى تلك النظرة فى عيون من يقرأ لى ,, لم أكن أدرك حينها أننى لا أجيد فعل شيء سوى الكتابة ..

وحينما تخرجت من الجامعة أغرقتني الحياة بصعوبتها .. قابلتني بالأحضان القوية للدرجة التى كسرت فيها ضلوعي ولكنني كلما كان يُكسر لى ضلع كنت أهرع إلى دفاتري أكتب وأكتب فتُنبت لى الكتابة أربع وعشرون ضلعًا أخرى..

ولكن الآن لم تعد كل تلك الأسباب السابقة مقنعة لى .. فكما قلت فى البداية أوضح لى هذا السؤال ;لماذا تكتُبين ؟ أن الأهداف والأسباب تغيرت أو أنني أنا من تغيرت ..
لم أعد أكتب لأرى تلك النظرة فى عيون والديا بعد أن أثبتُ نفسي أمامهم بقرب صدور كتابى الثالث ..

لم أصل بالطبع لكُتابنا الكِبار ولكن أصبحت أرى كتبي فى أكبر المكتبات وعلى الأرصفة أيضا حتى وإن كانت الأخيرة مُزورة …

تخطت نظرات الإعجاب أصدقائى إلى أُناس لا أعرفهم ومتابعين ومعجبين أحمد الله كثيرًا على وجودهم ..

كل تلك الأسباب بالرغم من عظمتها لم تعد أسبابي ,,

والحقيقة أنني أصبحت أكتب لأهرب ..
أصبحت الكتابة هي وسيلتي الوحيدة للهروب من واقع لن أتوقف عن رفضه ..
أصبحت الكتابة هى الشيء الوحيد الذي أجيد فعلة لتقف بها ساعة الملل الذى استقريت بقاعة ..

أصبحت اتخذ من شخصياتي حياة ومن قصصي تجارب لعلني أجد نفسي فى إحداها ..

اختبرت أشياء كثيرة كنت أبحث من خلالها عن شيء أرى انعكاس صورتي فيه ويجعلني أتقبل تلك الأيام التي فقدت زهوها تماما فلم يفلح معى شيء سوى قلمي ..

نتألم فنكتب .. وحينما نكتب نتألم أكثر ولكنه ألم يُعين أكثر على الحياة ..

كل أنواع الفنون مؤلمه ، مرهقه للنفس ، تشعرك دائما بالاغتراب والشجن عديم السبب فى معظم الأحيان ،، ولكن أكثرهم معاناة هى الكتابة ،، فرفقا بإنسان اختاره الله ليعانى طوال حياته..

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى