التخطي إلى شريط الأدوات
روايةمشاركات أدبية

ننشر فصل من رواية «السمرلاند»

رواية: سمير حمدي قنبر

 

سمير قنبر
سمير قنبر

– لا تبكي يا «شهيدة».

– كيف لا أبكي ونحن نترك أيامنا وأحلامنا ودنيانا هنا؟

– في الإسكندرية نفس الحياة، لا اختلاف إلا في لون المياه.

«توكل على الله يا أسطى».. قالها الأستاذ «محمود» – مدرس علم النفس بمدرسة النيل الثانوية بالإسماعيلية – بعد أن صعد وجلس بجواره، وفي صندوق السيارة البيدفور زوجته «شهيدة» وابنتاه «ضحى» – ابنة التاسعة – و«سماح» – ابنة الثالثة – ومعهم زوجة الأستاذ «حنفي» – تاجر الخردوات – وابناه «محسن» و«حسان» – ابنا العاشرة والرابعة.

انطلقت السيارة تاركة الإسماعيلية مخضبة بالدخان وآثار القنابل والرعب في كل ليلة من قذائف الطائرات الميراج، وبعد خمس ساعات اشتمَّ الأب وزوجته رائحة اليود من جديد، واستقروا جميعًا في شقتين متقابلتين في عمارة صغيرة لونها أصفر يغلب عليه التراب في كوم الدكة.

تسلَّم الأستاذ «محمود» عمله في إحدى المدارس الثانوية واستكملت الأم أعمال الكانفاه التي توقفت عن إنهائها بسبب القلق المتزايد في كل يوم من صوت أزيز الطائرات، وذهبت «ضحى» إلى مدرستها الابتدائية بصحبة «محسن»، الجار والصديق والحبيب.

كما اعتادا سابقًا، في السابعة والنصف بالضبط يخرج كلاهما من باب شقته وتضع يدها في يده وتنسى كل شيء حتى تجلس على دُرجها الخشبي في فصلها، وما إن يحين وقت الفسحة الصغيرة بعد حصتين حتى يأتي «محسن» مناديًا عليها ليتشاركا فطورهما في كل يوم، لم يكن التشارك بأكل البيض والجبن، بل بنظرات حانية ومسترسلة حالمة بسنوات تمر ليصبحا – كآبائهما – زوجين يعيشان معًا. كانا ينظران إلى مشاهد الحب والألفة ويخزنانها في مخيلتهما وأحلام مستقبلهما.

حب نقي نابع من قلبين طاهرين لم تمسهما دوافع الشهوة وضواغط الغريزة والمتعة الجسدية إلا من غريزة الغيرة الإنسانية المزروعة بداخل الإنسان حتى قبل الميلاد. لم تقبل «ضحى» أن تأتي «فتحية» – ابنة الجارة بالأعلى – لتستذكر دروسها مع «محسن» – زميلها في الفصل – وثارت وطلبت من والدها أن يدعو «محسن» للاستذكار معها في كل يوم في شقتهم حتى تقضي على الفكرة قبل أن تنبت.. ربما كانت ترى «فتحية» أجمل منها، وقفت أمام مرآة صغيرة في غرفة والديها ترتدي فستانًا أخضرَ ذا كاروهات صغيرة وكرانيش خفيفة بيضاء عند المنتصف تنظر إلى شعرها الأسود وضفيرتيها، عينيها الواسعتين بلونهما الأسود النقي.. تنظر إلى خدَّيها الممتلئين وشفتها السفلى المكتنزة وتدور ببطء وحنو. ترى نفسها جميلة وتقلد «أم محسن» في مشيتها الأنثوية؛ لأنها تقريبًا ملكت نفس الأرداف الممتلئة والممشوقة بنظم متوالٍ من الأعلى للأسفل.

جلست هي و«محسن» للاستذكار على منضدة مربعة صغيرة في صالة الشقة، وخلف الباب مباشرة وبجوارهما يجلس الأستاذ «محمود» بنظارته يقرأ الجريدة وتجلس «سماح» على رجله.

دق الباب ففتحت «شهيدة» لتجد الجارة بالشقة العلوية وفي يدها «فتحية» ابنتها تضع في شعرها فيونكات صفراء وترتدي فستانًا أحمرَ مطرزًا بالترتر اللامع وبريق عينيها لا يُخفي إعجابها بـ«محسن».

جلست الجارة بجوار «شهيدة» تحكي لها عن زوجها – صاحب مطعم الأمير، أشهر شيف أسماك في بر الإسكندرية – وأنهم محزونون لما حدث في خط القناة نتيجة الحرب وأهلًا بكم دائمًا جيرانًا طيبين.

جلست «فتحية» بجوار «محسن» وفتحت كتابها وكراستها وسألت «محسن» عن صحة ما كتبته في واجبها.

ابتسم «محسن» وقال: الواجب صحيح.. أنتِ شاطرة يا «فتحية».

* * *

لم تكن «ضحى» تتخيل أن «محسن» سيقضي معظم أيام إجازته بعيدًا عنها؛ ففي كل يوم يأخذ طائرته الورقية بعد العصر وينطلق مع ثلاثة من أصدقائه في المدرسة الإعدادية ولا يعود إلا بعد دخول الليل وهي تجلس أمام البيت منتظرة، حتى تنادي عليها أمها أكثر من مرة، لتجلس بالداخل بجوار الشباك تنتظر أن تراه راكبًا خلف أحد أصدقائه على الدراجة وممسكًا بطائرته.

ولكن في ذلك اليوم عاد سائرًا على قدميه وفي يده الأولى طائرته وفي الأخرى «فتحية» وهي تفتح ورقة بها ساندويتش وتقربه من فمه ليقضم الساندويتش مستمتعًا والابتسامة تملأ وجهه.

خرجت تجري حافية ووقفت أمام البيت تنظر بشراسة لهما وتهز وسطها واضعة يدها عليه.

لم تعلق «فتحية»، بل صعدت إلى شقتها تطير كحمامة فرغت من التزاوج تضرب الهواء بجناحيها وتدور حول زوجها في رقصات وتنفخ الهواء لتصدر هديلًا منظومًا كالموسيقى.

نظرة بغير معنى من «محسن»:

– أهلًا «ضحى».

نظرت إليه في معاتبة صريحة وغضب عارم.

كانت الوحيدة في البيت التي لم تعرف أن والد «محسن» سينتقل إلى عنوان آخر في محطة الرمل بعد أن اتفق مع جارهم بالأعلى على افتتاح محل لبيع الخردوات بالمشاركة بينهما.

أقل من أسبوع وجلست أمام البيت تنتظر خروجه للجلوس جوارها، إلا أنه لم يفعل.. مرت عليها ساعات ولكن دون جدوى، دقت على الباب لم يُجِب أحد.

خرجت أمها تنادي عليها وبعد أن جلست أخبرتها.

صُدمت ورفضت الطعام والشراب والحياة.

داعبها الأب، مستخدمًا علم النفس الذي يدرِّسه للطلبة ويعد فيه دكتوراه كاملة. اكتسبت الطفلة الحالمة المعاني العميقة للكلمات التي سمعتها من أفضل رجال الأرض كما كانت تتخيله في شكل «محسن» عندما كانا ينزويان لهوًا إلى حديقة الزيتون القريبة من سكنهم بالإسماعيلية، كانت تجعله يمشي مثل والدها ويرفع شعر رأسه مثل تسريحة والدها وتُلبسه نظارتها ليكون صورة من والدها.. كانت تحتضنه وتجلس في حضنه وتُميل رأسها على صدره وتداعب ظهره بيديها وهو يلثم خدها الناعم بشفتيه، وأحيانًا كان يقلد قبلات الأفلام في التليفزيون ويتصور نفسه كمال الشناوي.

لم ترفض له أبدًا طلبًا.. كانت تزأر في وجه والدتها عندما ترفض طلبها بالخروج ومرافقة «محسن».

لم تبحث عنه، وتعمدت عدم السؤال عن أحواله حتى عندما زارهم والده بعد أكثر من سنة.

وقفت أمام المرآة ورأته من خلفها يتجسد شيطانًا طماعًا كما هم الإسرائيليون، يريدون سرقة أرضنا وطردنا منها، كما أخبرها مدرسوها في المدرسة الابتدائية في الإسماعيلية، وها هو «محسن» قد سرق منها أجمل لحظات نحتت لنفسها خطوطًا في حياتها وأحلامها.

– «لا يستحق أحد حبي.

لن يسعدني أحد كما أسعده.

سأكون جميلة دومًا وسأسعد نفسي بنظرات الإعجاب من أشباه «محسن» وسأستقل بسعادتي الخاصة ولن تمر عليَّ لحظة إلا وأنا سعيدة».

هكذا خاطب «ضحى» عقلُها الباطن في عمق أحلامها لتصحو وتستيقظ على أفكار تشكِّل وعيها الجديد.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق