التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

أدهم العبودي يكتب: الأقصر.. لقد مروا من هنا

 كتب: أدهم العبودي

أدهم العبودي.
أدهم العبودي.

 

 

 

 

ما الذي يمثّله المقهى في حياة الكاتب؟ أيمثّل تاريخًا بأساطيره الغائبة؟ أم يمثّل تجريدًا للمعاني الأصيلة في الوجدان الجمعي للمكان؟

لعلّ الرمز هو أصل الحدّوتة؛ والذكرى، إنّ لكلّ كاتب المقهى الرمز في حياته، الذي شهد تبدّلات مسيرته، وتبدّلات رؤيته تجاه الحياة، وتجاه الآخر.

الرمز في حكايتي مقهى “العمّال” بالأقصر، الكائن في قلب شارع “المحطّة”، اسمه الآخر المعروف لدى العموم مقهى “البرابرة”، لأنّ أصحابه من “النوبة”، لا يمكنك أن تنسى ابتسامة عمّ “حاكم” ولا وجهه الأسمر، أو وقفة ولده “شهاب” فوق رأسك ليذكّرك بحسابك القديم إيّاه، على هذا المقهى بدأت الحكايات، وتواترت، وتراكمت، فبات المقهى في حدّ ذاته تاريخًا ذاخرًا بالمعاني التي قد تقف أمامها طويلاً تتأمّلها، على هذا المقهى بدأت حكايتي، بدأت صداقاتي بالأدباء، عرفت -على هذا المقهى- المرحوم القاص حسين خليفة، وأشرف الخمايسي، وأسامة البنّا، ومأمون الحجاجي، ود. شمس الدين الحجاجي، وعبد السلام إبراهيم، وحسين القباحي، ومحمّد جاد المولى، وغيرهم، هؤلاء شكّلوا بشكل أو بآخر علاقتي بجدلية الكتابة، شكّلوا خبرات سارعت في تكوين حميمية الأدب بداخلي، يختلف بعضنا، ويتّفق آخرون، لنظلّ في النهاية نحمل تلك المساحات بداخلنا تجاه كلّ واحد فينا، وتجاه الذكريات البعيدة والمديدة والعميقة في أحايين كثيرة، كنّا نتقابل مع أدباء المحافظات الأخرى على هذا المقهى، هو المكان الأثير الدائم لكلّ اللقاءات، ننجرف وراء هموم الكتابة، ونسبح في تيارات المعرفة، نقلّب الحكمة على أوجهها، ويقتطف كلّ واحد فينا كيفما اتّفق مع هواه، شهد مقهى “العمّال” الخلافات، والتسامح، شهد المؤامرة، وشهد معها حبّ الآخر، إنّ رائحته تسري في دروب الروح، تشتمّها من على بُعد، ليكون مستقرك عليه، التناغم الذي يجتاحك حين تجلس، حميمية الصحبة، وحميمية الذكريات، تتنهّد وأنت تجترّ إحداها، تقول في شجن: ياااه.. إلى أيّ حدّ يمكن أن يمثّل المكان قيمة حقيقية؟

تجد أنّك تتنفّس العبق الذي يبثّه المقهى في وجدانك، بأريحية ورضا، تتفرّس في وجوه الجالسين، يصبح الأمر أنّ الوجوه جميعها تتماهى في صورة موحّدة، هي صورة المقهى في الأساس، لا شيء يبقى عالقًا من روعة الذكريات إلاّ تلك التي تنقشها فوق جدران روحك الأماكن، الأماكن ببهائها، مقهى “العمّال” شهد معنا أحداث بعينها، شهد أفول شموس، وبزوغ أخرى.

لازلت أرى حسين خليفة جالسًا يلعب الطاولة، بابتسامته الآسرة، مداعبًا الجميع، محبًّا للجميع، بهيًّا كطفل وليد، نافذًا لأبعد مناطق الروح، أراه وهو يداعب رجال الشرطة، وعمّال المقهى، كنّا ننطلق في الضحك، جالسته في أواخر عمره، وكنت أتمنّى أن أفعل من بدايته، ليس من المنطقي أن نرسّخ للمكان دون أولئك الذين لا يمكن فصلهم عن صورة المكان نفسه؛ الشخوص الفاعلين في تاريخه، لازلت أسمع إنشاد الضوّي محمّد الضوّي للشعر، بقامته الفارعة، وصوته الرنّان، كلّ المكتسبات التي تخرج بها الروح من المكان في روّاده، وذلك الإصغاء الجمعي لبنود الحكمة، كنّا نكتسب -مع الوقت- ميزات تفرّدنا من حيث الوعي، كنّا نفطن لأشياء غير تلك التي فُطرنا عليها، تتولّد صفات قيمية تسبغ الروح بالتروّي أكثر فأكثر، تُبنى الخبرات على مهل، نتجاذب موارد الفلسفة فيما بيننا، لنجد أنّنا يومًا إثر يوم نحمل فلسفتنا الخاصّة؛ عن الحياة وعن الوعي والقيمة، أقصد القيمة الحضارية المتمثّلة في الشخوص وفي تفاصيل المكان، لم يكن مقهى “العمّال” إذًا مجرّد مكان عابر يقصده الواحد منّا لاحتساء مشروب ومن ثمّ تقضية المساء والسلام، إنّما كان مقصدًا للتشبّع، كنّا نتشبّع بل ونثمل من عظمة الروح التي تسكن المقهى، كأنّها روح واحدة جمعت الروّاد وتهيّأت توحّدًا عجيبًا، يمكنك أن تطلق الألفاظ الكافية التي بإمكانها وصف الحالة العامة السائدة، لكن؛ رغم ذلك -ومع ذلك- يستحيل أن تجد وصفًا ملائمًا حقيقيًا ينبع من لبّ المسألة، المسألة برمّتها أصلها روحي بحت، مذاق المشروبات مختلف، مذاق الأصدقاء -هنالك- مختلف، طبيعتك ذاتها تتدرّج وتصفو شيئًا فشيئًا إذا عاقرت هذا المقهى، ويا حبّذا إن عاقرته محبًّا، لا مرغمًا، ساعتها قد تشعر بما تمنحه تلك الطاقة الإيجابية لشخصيتك، مكتسبات ليس يصفها كلام، كنّا ملائكة، نرفرف إذ نخلو إلى المقهى، نتناغم، وننساب في خلايا الفلسفة الكبرى عن تلكم الحياة، قد نتباعد قليلاً، أو يغيب أحدنا، غير أنّ المقهى يظلّ العامل الثابت الأصيل في العلاقة بين الشخوص، يجمعنا كحضن أمّ حنون، ويعلّمنا التسامح.

لذا؛ قد تقف طويلاً تتأمّل التشوّه الذي أصاب المكان كلّه حين هدموا المقهى، وأقاموا نيابة عنه مبنى كبيرًا موائمًا للأبنية العصرية، إنّما؛ لا تدع اليأس يداخلك، فحتّى إن هدموا المقهى، تظلّ روحه سارية، محلّقة، ترحّب بالسائرين شوقًا إليها، لا يهزمها زمن، ولا يخالطها -رغم التشوّه- أيّ قبح.

نُشر الملف في جريدة القاهرة الثلاثاء 12 مايو 2015

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى