التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

سمير المنزلاوي يكتب: كفر الشيخ.. منية المرشد

كتب: سمير المنزلاوي

سميرالمنزلاوى
سميرالمنزلاوى

 

 

 

 

في ثلاثينيات القرن الماضي، كان ثمة مقهيان في منية المرشد، كبرى قرى مركز مطوبس، محافظة كفر الشيخ! مقهى النشال في السوق العمومية، حيث اجتماع الصيادين الأسبوعي، لدى عودتهم من بحيرة البرلس.

في هذا المقهى عقدت جلسات عرفية، وزيجات، ونوقشت أخطر المسائل، وبيعت المراكب، ورتقت الشباك.

على بُعد خطوات، يقع المقهى الثاني مقهى المسلوع! وكان عم السيد صاحبه أمهر الناس في صناعة العرقسوس المثلج، يطلق عليه اسم الخمير!

مازلت أتذكر صوته الجميل، في طفولتي وهو ينادي:

  • الخمييييير.

التسلية في مقهى المسلوع كانت بقدوم الشاعر السيد حواس كل ليلة، ليقص ملحمة أبو زيد الهلالي. الفلاحون يميلون إلى السماع الهادئ، وينفعلون مع الحرب والنزال وخطف الحرائر، وينتج عن ذلك تسمية أطفالهم بأسماء أبطالهم الليليين: الزناتي، غانم، الزغبي، خليفة، ومن الإناث، جازية، وخضرة، وسعدة.

ظل الأمر على حاله حتى بداية الستينيات، فقد ظهر مقهيان في أقصى الطرف الغربي من السوق؛ مقهى أبو طاحون، لصاحبه مرشدي أبو طاحون، المقهى الجديد الثاني هو مقهى عائلة عقد، الذي صار مأوى الخفراء وجنود الدورية ومخبري المركز لأن شقيق صاحبه هو زكريا عقد شيخ الخفراء الحازم.

في السبعينيات انتقلت أسرة منية المرشد إلى الجسر العمومي، الموازي للترعة الكبيرة والمؤدي إلى العِزب المتناثرة وإلى بحيرة البرلس.

أقيمت على الجسر الطويل الممتد من بيت الصمودي شرقًا حتى المقابر غربًا بيوت من دورين وثلاثة، واحتلت المقاهي الدور الأرضية المتجاورة!

تزامنت ولادة تلك المقاهي مع إقامة مركز للشباب، بدأ بالجمعية الزراعية ثم انتقل إلى بيت المرحوم أحمد الخواجة.

في تلك الأيام كان عدد لا بأس به قد قطع شوطًا في التعليم، بل وتخرج البعض. كان عيبًا أن يجلسوا في المقاهي، أو حتى يمروا بجوارها!

ظل المركز يؤدي دوره طيلة السبعينيات. بعد ظهور الجيل الثاني من المتعلمين والمثقفين، أدرك شبابه أن التعليم لم يرفعهم كما تصوروا!

فقد انتهى التعيين الحكومي في بداية الثمانينيات، واضطر أصحاب البيجامات إلى العمل تحت إمرة أصحاب الجلابيب من الصيادين! وإختلطوا بهم في المقاهي للاتفاق على السروح ودفع الأجر!

صارت المقاهي الآن ملاذًا للجميع، وزال الفرق واختفت البيجامات!

بقيت قهوتان لا يرتادهما إلا الصفوة، هما الحلواني وفوزي عطالله! مقهى الحلواني يكتظ بالموظفين والأدباء، من نجومها سمير فتح الباب محاسب وشقيقه القبطان عماد والعميد خالد، والدكتور خليفة عطالله، وإخوته، الأستاذ محمد والمهندس مؤمن. منهم أيضًا الأستاذ عماد مرعي من رجال التعليم، وشقيقه عامر من رجال التعليم أيضًا. كما توجد به حلقة أدبية، كنت أنا ومجدي القصاص وسعيد شحاته وقودها!

أما مقهى فوزي عطالله، فربما جذب موقعها الفريد كثيرًا من الشعراء والكتاب، ودعوني مرارًا لحضور جلستها الممتعة، وحضر معنا من قرية أبو عنيمة الصديق الشاعر على الدكروري والصديق الروائي أسامة لبيب والكاتب محروس خميس.

من روادها القاص محمد سلطان والقاص محمود أبو راجح والسياسي وليد قطب ولهم جلسة يومية، يراقبها الصيادون والفلاحون باعجاب، وقد تعجب كثيرون من زواري من عدد المقاهي الضخمة الذي لا يوجد في أي قرية أخرى!

وهذه المقهى تعطي منية المرشد حيوية دائمة، فهي لا تكاد تنام أو تهدأ، ويتحول ليلها إلى نهار ساطع، وتظل الضحكات الجافة المتبوعة بالسعال تتردد طول الوقت.

نُشر الملف في جريدة القاهرة الثلاثاء 12 مايو 2015

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى