ملفات

عبد الرحيم طايع يكتب: قنا.. أنا ومقهى الفنانين

كتب: عبد الرحيم طايع

عبد الرحيم طايع
عبد الرحيم طايع

 

 

 

المعلومات المتوفرة عن مقهى العمال الشهير بالفنانين والكائن بوسط مدينة قنا (في المسافة ما بين بنزايون والمحطة)؛ تشير إلى كونه واحدًا من المقاهي الثقافية المعتبرة بالخريطة المصرية.. فمنذ اختاره فنانو مسرح قنا القدامى للاستراحة منذ أعوام، وأجروا فيه بروفاتهم، وقرؤوا نصوصهم، وناقشوا قضاياهم؛ عرف الناس المقهى بهم وأطلقوا عليه وصفهم، وقد كان الموسيقيون المشاركون بالأنشطة الفنية بالثقافة الجماهيرية؛ يأتون وآلاتهم الموسيقية معهم، في كثير من الأحايين، وربما عزفوا على المقهى لحنًا جديدًا أو مقطوعة للحن معروف.. ومن أشهر هؤلاء المسرحيين والموسيقيين: صفوت البططي وعبده إسماعيل ومنصور السنوسي وعبد المنتصر فؤاد والحاج قباري وعز العرب الديري وعبد الفناح الشريف وعزت حتة ومحمد موسى وحمدي البوقي.. ولحقت بهم، على امتدادات الأعوام، أجيال وأجيال، اختارت المقهى نفسه، كان آخرها وأوضحها جيل من المغنين وأبناء الفرق الموسيقية كأحمد المعناوي ويحيى عويس ومجدي إسحق ونشأت وإيهاب معروف وسامح معروف وسامي محمود وسعد أبو جريشة وناصر حفني وعماد مغربي وممدوح أبي طالب وماجد شمس الدين وغيرهم.. قبل ذلك كله، علمنا أن جماعة من مشاهير الفنانين الشعبيين مروا به أيضًا كمتقال قناوي وخضرة محمد خضر والسيد زكريا الحجاوي راعي الفنانين الشعبيين بالمحروسة!

حصل المقهى على ترخيصه في أوائل الستينيات، وكان مفتوحًا قبلها لاستقبال زبائنه التقليديين بجانب الوافدين إلى المدينة الصعيدية العريقة، لأداء مهمة أو قضاء مصلحة، ومن بينهم مشتغلون بالأدب والفن طبعًا ومتصلون بالثقافة ولو وظيفيًا!

موقع المقهى الذي أشرت إليه بالقلب من المدينة، أظنه كان أحد الأسباب الأساسية في اختيار الجماعة الفنية له بلا شك، والجماعة الأدبية من بعدها؛ ففي الوسط من البلدان يمكنك تسقط الأخبار بسهولة، ورؤية الشارع بوضوح، فمن هناك تمر عربات الأفراح ونعوش الموتى وهو الطريق الرئيسي بالمدينة الذي يفضي إلى مقام سيدي عبد الرحيم؛ حيث الحصول على بركات الولي الصالح للبادئين حياتهم الزوجية، وحيث مدافن المسلمين بجبانة قنا الكبيرة خلف مشهد الجامع الكبير- المزار الأشهر بالمدينة، ومدافن المسيحيين في الجهة المقابلة لها!

طبعًا تغير عمال المقهى، مع مرور السنين، لكن بقيت جماعة منهم هي الأكثر التصاقًا بتاريخ المقهى بمراحله المختلفة، منهم عبده (يرحمه الله) ثم ولده غريب، ومنهم صبحي، والراحل عتمان (وكان مدرسًا أزهريًا متميزًا يجيد الإنجليزية ويعشقها) ومنهم الآن الريس مختار وهو الأكبر سنًا (أطال الله عمره) وعادل وعبد الهادي الذي يعمل بجهاز الأمن، وطبعًا يوجد دائمًا آخرون أصغر سنًا وأقل دراية!

صار وجود الجماعة الأدبية بالمقهى الآن أطغى؛ وأوشك أن يسميه الناس مقهى الأدباء أو مقهى المثقفين، لكثرة جلوسي فيه مع الأصدقاء الشعراء والأدباء الكبار المعتبرين وأخص عبيد عباس وأشرف البولاقي، ويجلس الشاعر حمدي منصور في الصالة الرئيسية بالمقهى وهو علامة هناك بكثرة شربه للشاي وتدخينه للسجائر وطلبهما المستمر الملح وإصراره عليهما حتى بعد محنة المرض (أدام الله بقاءه).. ويجالسنا، أحيانا، الأعزاء محمد سمير ووافي نصر ومصطفى جوهر وحسن أبو بكر وغريب سلطان وحسن خلف وأحمد سعد وعوض صادق وغيرهم بجانب الضيوف القادمين من قرى قنا ممن يتوجهون إلى المقهى مباشرةً، وكثر ما نناقش قضايا كبرى هناك، ونتنقل من السياسة إلى الدين إلى السينما إلى الرقص إلى الرياضة إلى الكتابة.. في إيقاع صاخب جميل لافت للنظر ومثير للانتباه، وللأمانة كان الشاعر محمود مغربي هو الأسبق بالجلوس على المقهى من الجيل الشعري الرائد بمدينة قنا!

المصورون الفوتوغرافيون الموهوبون من الأجيال الأحدث، كباسل الأبنودي ومحمود هواري ومؤمن بهجت، يتواجدون بالمقهى أيضًا كلما تسنى لهم ذلك، ويلتقطون لنا صورًا فيه، لا سيما باسل الذي صنعت معه مجموعة أفكار هناك لا حصر لها، ونشرتها بالفيس بوك؛ فصرنا العلامة الأكبر على أهمية المقهى وحيويته واستيعابه للبشر وللمبدعين من كل الأنواع!

المقاهي، في الآخر، كيانات شارعية تحقق للمختلفين، وعلى رأسهم الأدباء والفنانون والمثقفون، حرية ينشدونها، ولا يكلفهم الأمر أكثر من جنيهات هي ثمن ما يطلبونه، ومع تعقيدات الظروف، قد يفتحون حسابًا بالمقاهي لا سيما وأصحابها، مع الوقت، يكونون استمعوا إليهم وعرفوهم وطالعوا أسماءهم وصورهم بالصحف والمجلات وقدروا منازلهم تقديرًا خاصًا.. العمدة محمد عبد الحكيم عمدة قرية دندرة من رواد المقهى في السنوات الأخيرة، وهو رجل عاشق للحديث السياسي، وله تقييمه الخاص لما يجري، وكثيرًا ما يسألنا ويستشيرنا، والموهوب الصغير الجميل محمد كامل يغني هناك، والمقاول شرقاوي وأحبابه، يجاوروننا بأحاديثهم الاجتماعية العذبة، ويجدوننا عندهم وقت الحاجة.. ولا أنسى الكرسي الخارجي المخصص للسيد عريان بأحد الأركان الخارجية بالمقهى وهو أحد الشركاء به وبالفندق الذي يعتلي مبناه ويبدو رجلا حكيمًا خبيرًا بالناس وأحوالهم وبالزمن وأحداثه، كما لا يفوتني ذكر عمنا المقدس فوزي التربوي الجليل وأمين المكتبة القديم بمدرسة الشهيد عبد المنعم رياض الثانوية العسكرية بقنا وبعضنا كان من تلاميذه يومًا ما، وهو زبون دائم بالمقهى، يدخل ويسلم علينا بالإكبار الذي يراه واجبا: أهلا بالسادة الأدباء.. أهلا بأهل الثقافة والمعرفة والعلوم.. أضف إلى هؤلاء العم كمال المولع بتصليح السيارات بعفريتته المفضلة بجانب حضور طبقة من المتعلمين تعليمًا رفيعًا كالمهندس والطبيب والأستاذ الجامعي.. كما يرسم عم عوض وأولاده، بفاترينة السجائر التي يملكونها وينصبونها أمام المقهى، يرسمون، مع عدد من جيران المقهى من العواجيز ومتوسطي الأعمار والمسافرين والعائدين من السفر ومع صالون العم كمال الحلاق اللصيق بالجزء المخصص للمقهى من المبنى، علامات ثابتة بالمكان الدافئ الحميم!

السيد جمال عبده وهو أحد ملاك المقهى والأكثر ظهورًا فيه؛ رجل وقور هادئ مُحب للقراءة ومتابع للشأن العام وذو أخلاق عالية، ومعه شقيقه الشاعر والعاشق للغناء والحواديت الثقافية محمد عبده، وفي الحقيقة جملة خصالهما النبيلة مما يسر علينا اختيار ذلك المقهى كملتقى ثقافي ذي روح خاصة لطيفة.. المقهى الذي تحول، بمرور الوقت، إلى مدرسة، نظارها كثيرون، وأساتذتها لا ينقطعون عن أداء مهمتهم (الاختيارية) في التثقيف والتنوير والحوار وتبادل الآراء وطرح الرؤى، وتلاميذها النوابغ لا يغيبون حتى بعد تخرجهم وحصولهم على الشهادة الاعتبارية التي تفيد تحققهم!

نُشر الملف في جريدة القاهرة الثلاثاء 12 مايو 2015

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى