التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

عبد الرحيم يوسف يكتب: الإسكندرية.. قهوة البوَّابين في رصيف الأرواح

كتب: عبد الرحيم يوسف

عبد الرحيم يوسف
عبد الرحيم يوسف

 

 

 

 

 

(1)

 

بعد أن تعبر تقاطع شارع فؤاد مع شارع النبي دانيال -اثنين من أقدم شوارع الإسكندرية- قادمًا من محطة مصر ومارًا بأكشاك الكتب القديمة والمُزوَّرة، يقابلك على يسارك مبنى جريدة الأهرام العتيق الفخم بمكتبته الأنيقة التي نادرًا ما رأيت أحدًا يدخلها، وبدلا من أن تكمل السير في شارع النبي دانيال متجها إلى محطة الرمل والبحر يمكنك أن تنعطف في الشارع الذي يحتل ناصيته مبنى الأهرام ذاك والذي يحمل اسم (شارع طلعت حرب). تتجاوز مبنى الأهرام و(البنزينة) المهجورة بجواره لتجد بعدها رصيفًا ظليلاً مفروشًا بكراسي وموائد قليلة تمتد على جانبي مقهى صغير لا تزيد مساحته عن ثلاثة أمتار في مترين. أهلا بك: أنت الآن (على قهوة البوَّابين).

(2)

الحقيقة لا تحمل هذه المقهى لافتة بهذا العنوان. لو دققت النظر ستجد على بابها الزجاجي المغبش أو على (تندتها) الملمومة صيفًا والمفرودة شتاءً مكتوبًا (كافتيريا فزَّاع). لكن لا أحد يدعوها بغير هذا الاسم الذي أطلقه عليها شلة الأدباء والمثقفين الذين بدأوا الجلوس عليها منذ الثمانينيات من القرن الماضي والذي يضايق أصحابها بعض الشيء. حين بدأت ارتيادها في عام 2000 تساءلت عن السبب في تسميتها بهذا الاسم، وعلى مدار سنين عديدة سمعت حكايات مختلفة: فمن قائل أنها كانت تجمُّعًا للبوَّابين العاملين في هذا الشارع العتيق الذي تمتد على جانبيه البنوك الوطنية، في مقابل المقهى التي تقع أمامها والتي تحمل الآن اسم (الجمهورية) ويقال أنها كانت مستقرًا للسفرجية. ومن قائل أن الأدباء هم من أطلقوا هذا الاسم عليها ناسبينها لأنفسهم في سخرية ماكرة من الذات ومن الآخرين كذلك؛ بعد أن اعتادوا الجلوس عليها قادمين من ندوة أصيل الأسبوعية في النادي النوبي العام الذي يقع غير بعيد في شارع النبي دانيال، أو من قصر ثقافة الحرية (الذي أصبح الآن مركز الحرية للإبداع). ومثلما تختلف الحكايات يختلف أصحابها في من هو صاحب سبق اكتشاف المقهى واختيارها جلسة له ليتحول المقهى بعد ذلك إلى أحد أماكن تجمُّع المثقفين والأدباء في وسط المدينة.

(3)

يحكي لي أصدقائي من الأدباء الذين بدأوا الجلوس على هذا المقهى منذ تسعينيات القرن الماضي عن عم فزَّاع الذي تنتسب المقهى باسمها الرسمي المُنسب إليه. كان رجلاً صعيديًا حادًا يراقب الجالسين والمرتادين بارتياب، وكثيرًا ما اشتبك مع بعضهم لسبب أو لآخر، لكنهم يُجمعون على أنه كان طيب القلب ويتقبل وجود الفتيات والسيدات في جلسات المثقفين المشتركة. لكنه كان صارمًا في أمر ساعة إغلاق المقهى؛ ما إن تدق الساعة الحادية عشرة حتى يجده الجميع فوق رؤوسهم يطالبهم بدفع الحساب لأن ميعاد الإغلاق حان. وكان هذا سببًا آخر لعراكات يومية اعتراضًا على قطع تيار الحديث أو إفساد سهرة لم تبدأ بعد. لكن في النهاية يرضخ الجميع ويدفعون حسابهم ساخطين ويمضون لاستكمال سهرتهم في مقهى آخر.

بدأت الجلوس على البوَّابين في عصر خلافة أبناء وأحفاد عم فزَّاع؛ عم السيد وولديه وليد وأحمد، وعم محمد وولده نادر ومساعده إسلام. لوقت طويل كانت القهوة تحت إدارة عم السيد وولديه، يأتي عم السيد صباحًا ومعه وليد –خريج كلية الحقوق بتقدير جيد والذي لم يجد عملا حتى الآن بشهادته– ويمضي إلى منزله في المغرب تاركًا فترة الليل لوليد وأحمد اللذين صارا صديقين لمجموعات الجالسين من مثقفين ورواد أصليين للمكان. ومنذ حوالي عشر سنوات اقتسم الأخوان إدارة المكان مع أخيهم الثالث، وصار المقهى تحت إدارة عم السيد وولديه عشرة أيام أو نحو ذلك، وتحت إدارة عم محمد وإسلام بقية الشهر. تنتهي فترة إدارة أحدهما ليرحل بعدَّته وكراسيه وموائده ويأتي الآخر بعدَّته وكراسيه وموائده. ونجلس نحن في الحالتين.

(4)

يحكي لي عم (نجيب) حارس العقار المجاور للبوَّابين المقيم في شارع طلعت حرب منذ 1953، الرجل السبعيني الذي يبدو بشعره الأسود ونظارته الرقيقة وبنطلونه الجينز وقميصه الكاروهات وكأنه لا يزيد عن خمسين عامًا عن البوَّابين التي كانت بوفيه في الخمسينيات يقدم لمرتاديه المشروبات أثناء تناولهم الطعام، وهو غير الحال في المقاهي البلدية حيث تقدم الشيشة كذلك وألعاب الدومينو والطاولة -وهو الأمر الذي ظل مستمرًا حتى الآن فالبوَّابين لا توجد بها ألعاب وهو ما يجعلها مكانًا ممتازًا للجلوس والحديث- يحكي لي كيف آل أمرها من سيدة كانت تملكها إلى رجل باعها لعم فزَّاع في أواخر الستينيات. يوافق عم نجيب على أن المثقفين لم يبدأوا الجلوس في المكان إلا في الثمانينيات تقريبًا. يحكي لي عن الشارع وعمارة البوَّابين التي كان يملك عمر الشريف شقة في دورها الرابع، والعمارة المقابلة حيث كان يسكن عادل أدهم قبل عمله بالتمثيل وكيف كان يزوره فيها أصدقاؤه الفنانون بعد بدء مشواره الفني: عبد المنعم إبراهيم وزهرة العلا ويوسف شعبان وآخرون. أشاغبه قليلا وأسأله إذا كان يشعر بأن الشارع مستواه تدنى بوجود الشباب الجديد وأمثالنا من المثقفين الصاخبين فيتهرَّب من السؤال قائلا: الدنيا كلها اتغيرت.. إحنا بقينا كتير والدنيا بقت كلها دوشة!

نُشر الملف في جريدة القاهرة الثلاثاء 12 مايو 2015

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة