التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

لماذا نكتب؟

 

كتب: أشرف العوضي

 

عم نصر المعلم الأول

منذ فككت طلاسم الحرف، والكلمة، وأنا أقرأ كل ما تقع عليه عيناي بدء مما يخطه شيخنا على اللوح الخشبي من آيات الذكر الحكيم عندما كنا نتعلم  فى كُتّاب القرية، ونحن لم نتجاوز الرابعة مرورًا باللوحات الإرشادية المثبتة على جابنى الطرق ومداخل القرى، إنتهاء بقصاصة الجريدة التى لفت فيها الخالة عزيزة حبات الطعمية  حيث تعودنا أن نأكلها ممزوجة بأحبار الصحف  والمجلات ذات الورق المقوى .

إلى أن اكتشفت ذات صباح بارد رجل أسمر نحيف يرتدى نظارة طبية مقعرة أقرب الناس شكلا بالرئيس السادات حيث كان نوبى الأصل يعمل فى بيع الصحف والمجلات، يأتى بها فى قطار السابعة الذى ينطلق من المنصورة فى السادسة ويصل قريتنا  التى لا تبعد عن المدينة سوى دقائق بعد ساعة كاملة، حيث كان عليه أن ينتظر فى كل قرية يمر بها عدة دقائق ينزل أناسا ويركب آخرين .

وعرفت فى ما بعد أن عم نصر هذا مثقف كبير له وجهات نظر عميقة فى أمور الحياة وأنه من القلة التى ساعدت السادات الذى يشبهه على التخفى من البوليس الحربى عندما هرب وإختبئ لدى صديق له بالقرب من بحيرة المنزلة وأن عم نصر هذا هو من سهل إنتقاله من المنصورة إلى حيث كمن بالقرب من البحر شهورًا طويلة فى زى صياد  .

ولأن عم نصر كان صديقا لأبى فقد إتخذ من فناء بيتنا مكانا يجمع حوله زبائنه من محبى القراءة حيث يبدأ  بمهارة ودراية وبأصابع حادة خشنة فك ربطة الصحف من الدوبارة الطويلة  التى صنعت خصيصًا له من حبال التيل الناعم التى ظلت معه حتى اختفى ولم أره مرة ثانية .

كان عم نصر يعرف ما الذى يحبه كل شخص من ابناء قريتى هذا قارئ نهم عميق يعطيه العدد الجديد من الهلال، والأخر موظف يتابع كل صغيرة فى القطاع الحكومى يعيطه الأهرام وهذا الشاب ومن معه جمعوا قرشًا فوق قرش ليشتروا مجلة الشبكة وملاحقها الملونة ذات الصورالعارية وهذا متدين يعطيه مجلة اللواء الإسلامي التى كان يصدرها الاخوان فى السبيعنات.

أما أنا ورفاقى فقد كان يعطينا مجلات ميكى وسمير ومختصرات آجاثا كريستى المشوقه وبعضا من حكايات كليلة ودمنة وألف ليلة وليلة .

ولكن أكثر ما علمنى إياه عم نصر، وما زلت أذكره إلى اليوم أن أقرأ بعيون محبة وعقل مفتوح وقلب يتسع لكل الآراء وأن أحب ما أعمل  لذا كنت أحكى له فى كل مرة أراه فيها عن ما قرأته بالأمس واكتشف  أنه سبق وقرأه  حتى بعد أن بدأ يعطنى كتابات لنجيب محفوظ والعقاد ويوسف ادريس من الكتب المستعمله التى كان يجمعها من بائعى الروبابيكا والمثقففين المفلسين .

حكى لي عن أنيس منصور بلدياتنا وعن صداقته للدكتور إبراهيم ناجى صاحب رائعة الأطلال لسيدة الغناء  التي كان يلف ورائها العزب والكفور وهو صبى عندما كانت تحيى أفراح قرى المنصورة والسنبلاوين  وكيف كان الشاعر العملاق محمود حسن إسماعيل باشا هاشا به وهو يحمل إليه صحفه وكتبه كل صباح .

هل يجوز لي أن أقول الآن بعد كل هذه السنين  أن عم نصر كان العتبة التي ولجت منها إلى إلى ذلك العالم السحري  المدهش . هل أقول إن شعوري بالاختلاف أمام أقراني وأمام مدرس الفصل في مدرسة قريتي بما احكى لهم  عن ما قرأته بالأمس هو تلك المنحة السريعة التي كانت لا تخلو من بعض الاستغلال الطفولي  حيث كنت اشترط على الحصول على بعض الحلوى أو العسلية حتى أكمل الحدوته القصة .

وأخيرا ما زلت أذكر ذلك اليوم الذى جاء فيه عم نصر ومعه عدة أرفف خشبية ومسامير وشاكوش صغير ” محندق ” كما سماه  ليثبتها على حائط غرفتي ويفرشها بجرائد قديمة وليساعدني في وضع المجلات والكتب التي لدى  لتكون هي مكتبتي الأولى  .

لقد علمنى هذا الرجل الذى لم يدخل مدارس ولم ينل شهادات عليا يعلقها وراء حائط فخم  أن الرحابة والأفق المفتوح لا تعلم فى أكاديميات وإن الثقافة العميقة التى تخلق أناسًا يضيئون  الدنيا ويقودون الملايين نحو النور أهم وأجمل ما فى الحياة .

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى