التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

محسن يونس يكتب: دمياط.. هل يمكن للمكان أن يحتوي الأحلام؟

كتب: محسن يونس

محسن يونس
محسن يونس

 

 

 

 

 

هل يمكن للمكان أن يحتوي الأحلام، ويجعلها تمشي على ساقين، ويصنع أيضًا روحًا تظل ترف وتربت على أكتاف المريدين، جاعلة للثرثرة معنى، لا يضيع مع قعقعات الدومينو، ونرد الطاولة، وهياج المتابعين لمباراة كرة قدم؟

يمكن كل هذا ويزيد، إذا كان اللقاء يخص تلك الأحلام، وتلك القوة الذاتية الدافعة نحو جوهر الكلمة “مقهى العيسوي” وموقعه بجانب قصر الثقافة بدمياط، محل لقاء الأدباء والكتاب، قبل ندوتهم الأسبوعية، أو بعدها، فحبل الكلام طويل لا يمكن لعقل وضع حد لامتداده، كانت المقهى تطل على الساحة والأرض الفضاء التي جعلت “صيوان” نصبت فيه الأعمدة والقماش الملون لاستقبال عبد الناصر في مطلع الستينيات وظلت المقهى تعلق صورته، حتى أيام السادات، وبعدها أزيلت الصور، وكأن المقهى يعلن انحيازه للحوائط الملونة المفرحة، مع أن تلك الألوان تخفي خلفها حيوات تأتي ويضج المكان بحكاياتها، ثم تمضي مُفسحة لحيوات أخرى، تتضامن مع الأزمنة مع إنها محكومة بقانون هذا الزمن، وسوف تكون حكاية في فم أحدهم، وهو يشير إلى تكوين بنائي، ويقول كانت هنا مقهى يجلس على مقاعدها بعض الأدباء، سوف يستقبل هذا المقهى الأدباء من كل أنحاء المحروسة عند انعقاد مؤتمر، أو جلسة حميمية يرفع فيها رايات الشعر أو القصة أو الحديث في الشأن العام، تمكنك هذه المقهى من اصطياد أفكارك، فهي تطل الآن على موقف لعدة اتجاهات لحمل الركاب إلى أماكن متفرقة من المدينة، وجوه عديدة ومصائر تقبض على أسرارها، والكتابة من وجهة نظري تعشق السرى، تأمل، زد من مساحة هذا التأمل، إنهم البشر مادتك الأساسية، سيمنحك “النادل” فرصة، ولن يغتصب منك توحدك، عندما يتطوع بفصاحته الخاصة بحكاية وفض السرى، عندما يراك قد ركزت عينيك على ذلك الذي دخل المقهى سهوة، وتناول مشروبك الخاص، آخذًا في رشفه، سينادي بصوته الجهوري بطلب مشروبًا آخر لك، ثم يدلي بما استغلق عليك، فيصبح ملكك: “هذا كان عبقريًا وسط أقرانه عندما كان في المدرسة الثانوية”، وطالما ارتفع حاجباك، فسوف يشرح لك أن السبب في ذهاب نوره هو شدة ذكائه، سوف ترفض حكايته، ولا بد أن تعود إلى ثقافتك أنت في سؤال جوهري: “لماذا نُقرِن الذكاء بالجنون؟” هذه إحدى عجائبنا الشعبية ولا مفر من تأملها، وأنت في مقعدك ترى الوجوه المبتسمة حولك، وكأنها تؤَّمن على كلمات النادل في هدوء، هل للمقهى المطل على قصر الثقافة تجليات أخرى؟

بالطبع له، هناك الزبائن “الطياري” يأتون وعيونهم على الرائح والغادي إلى أن تجدهم يَهبون فجأة، وتعرف أن من كانوا في انتظارهم قد ظهروا، ربما كان اللقاء على مقاعد المقهى، أو في مكان آخر، مع بعض التعليقات من النادل أيضًا تفاجئك بأن له مائة عين، خاصةً لو كان الانتظار يحمل عطر أنثى!!

أحيانًا كثيرة تُصيبُني الدهشة، من تنازع المقهى قدرة البيت وما يعنيه البيت من السكن والرفقة الحميمية والانتماء أيضًا، فيكسب المقهى وجودًا أكثر مساحة على أي ئيء آخر، هناك أناس سوف تلتقي بهم خلال اليوم حتى آخر السهرة، لا يذهبون إلى بيوتهم إلا للنوم ربما كان وجودهم في المقهى يتعلق بمهنتهم، ولكن هناك من يستغلق عليك سر وجوده الدائم، ولا شك أن المقهى في مصر، تاريخيًا واجتماعيًا وسياسيًا أيضًا تلعب دورًا حيويًا في الحراك العام، لا أحد يستطيع إنكاره، وهذا يجعلنا نطرح سؤالاً خاصًا بمجالنا، أي الأدب على وجه التخصيص: هل يمكن للكاتب أن يكتب وهو يجلس في المقهى؟ خلافًا لكل تصورات البعض عن الكتابة واحتياجها إلى الهدوء والوحدة، عن تجربة شخصية كان الخروج من البيت والذهاب إلى المقهى في الثالثة عصرًا، والمكان في مثل هذا الوقت يكون قليل الرواد، ولكن الضجة وأصوات اللعب المتقطعة، لا تمنع من التوحد وإمساك القلم، هناك هذا الجو قليل الإضاءة، وهذا الكسل البادي على بعض الرواد يمنح شيئًا من التهيؤ الفاعل، يبدو أن الاحتشاد وامتلاء النفس بفكرتك، لا ينفي حاجتك إلى الوجود في الصخب، ربما يقول البعض بعكس ذلك، ولكن هذا لا ينفي حدوثه..

إذا نزلت دمياط عليك بالبحث عن مقهى العيسوي، فسوف تعثر على بعض الأدباء، كما صار هناك تقليد متبع منذ سنوات، وهو لقاء الأدباء على نفس المقهى ثاني أيام العيدين، حتى من انقطع عن التجمع إما بسبب السفر أو بسبب آخر يحرص على أن يكون موجودًا، هكذا يكون المقهى في حياة الناس جزءًا من تاريخهم الشخصي والجمعي على حد سواء..

نُشر الملف في جريدة القاهرة الثلاثاء 12 مايو 2015

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة