التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

محمد عبد الستار الدش يكتب: المحلة منين يا سمنودي.. وجوه تعاني الوحشة

كتب: محمد عبد الستار الدش

محمد عبد الستار الدش
محمد عبد الستار الدش

 

 

 

 

 

لم أكن أعرف أن المقهى لها وظيفة أخرى غير عمل الشيطان الذي  استقر في نفسي بفعل أقٌوال جدتي، وأبي، وأقاربي الكبار مثل عمي شيخ المسجد الذي كان يحذر كثيرًا من الجلوس على المقاهي، ويقول: أن من يجلسون على المقاهي إخوان الشياطين؛ مما دفعني لتأمل بعض الرجال الذين يمرون أمام بيتنا ذاهبين إلى المقهى التي كانت تقع في أول شارعنا سيدي نصر بن عفان على الناصية تمامًا تسيطر على نظرتي كلمة الشيطان بملامحه العجيبة المخيفة المغروسة في المخيلة من الحكايات وكلام الشيخ.

مرت السنوات كموجة عابرة، وقد خالط النهر روافد كثيرة متنوعة الألوان عملت على تجديده، وتنشيطه، وتدفقه بشكل حيوي يواكب حركة التطور المتلاحقة من حوله. ولم تغب تلك الحكايات عني حكايات أبي وجدتي، وشيخ المسجد، وإن كنت أبتسم وأنا أتذكرها، وأحيانًا أضحك حتى البكاء، خاصةً عندما أخلو لنفسي، فتظهر أمامي صور رواد المقاهي بنفس الأوصاف القديمة في الذاكرة، مع أن المقاهي الآن تؤكد من شكلها، ومضمونها على معايشتها مرحلة الصراع بين المحافظين، والمحدثين، هذه المرحلة التي يتبين منها تفوق تيار الحداثة الذي يضع العصر أمامه، وعينه على الجديد المتوقع من منظور اقتصاديات السوق المنفتحة، وليس من منظور الحفاظ على الهوية بشكل جديد يناسب روح العصر، وإن ادّعُوا غير ذلك.

ومما يدهشني أن رغبة الجلوس في المقهى لم تتملكني ذات يوم، ولو من باب التجريب مثلما يحدث أول مرة مع التدخين، أو قراءة كتاب، أو دخول السينما، أو الغناء.. أو.. أو.. فقد يتحول الأمر بعد ذلك لعادة يتعودها صاحبها. وكثيرًا ما كُنت أسأل: لماذا المقاهي؟ وكنت أفشل في الوصول لإجابة مُقنعة أفحم بها من يهاجم رواد المقاهي. ولا أزال أذكر إجابة أحدهم على سؤالي في تلقائية: مُتَنفس لمن لا مُتَنفس له. وكان رجلا تخطى الستين من العمر، يظهر في عينيه بريق شاحب، يتآلف مع تجاعيد الوجه المنحوتة كتمثال يعبر عن مرحلة متأخرة من الزمن.

ولكن أي متنفس ذلك الذي يقوله الرجل! والدخان سيد الموقف، يتنفسه الجميع، حتى من يجلس ليعيش مع نفسه، في صحبة أي مشروب ساخن، أو بارد!.

ولم تفارقني جملة الرجل ذي الوجه المنحوت، وأنا أتطلع لعالم الكتابة الملفوف بالحكايات، والخيالات المشتبكة مع الدخان، والكيوف المتنوعة التي إذا لم يدمنها من يريد الشهرة في عالم الإبداع بأنواعه المختلفة فلن يحقق شيئًا. أتلمس طريقي بهدوء وجَد، يرافقني صديق الرحلة / إيهاب الورداني بين قصور الثقافة في المحلة الكبرى وطنطا وغيرهما، وبين التردد على القاهرة بنواديها الأدبية والثقافية، ومطبوعاتها، ووسائل إعلامها. ولم تفلح نداهة القاهرة معي للإقامة في حضنها مثلما أفلحت مع كثيرين من قبل ومن بعد. ولكن تأثيرها -وأعترف بذلك- كان له ظلاله في نواح متعددة على مستوى الفكر والإبداع. استطاعت القاهرة أن تحدث تغييرًا جزئيًا لنظرتي للمقاهي؛ فكثير من اللقاءات مع الأدباء والمثقفين كانت على المقهى. وخاصةً زهرة البستان، وريش وغيرهما تلك التي كنت أجلس فيها وصديقي لنستريح من عناء السير، حتى أصبحت المقهى مكانًا مألوفًا لي، خاصةً بعيدًا عن قريتي مجول. ولم أعد أتذكر الحكايات القديمة عنها، وأخذتْ جملة الرجل ذي الوجه المنحوت تنمو وتتعايش معي في سلام، ولم أشعر بخجل وأنا أتحدث مع الأهل عن لقائي بالشاعرفلان، أو الأديب علان على المقهى ولم يحدث أي اعتراض.

ازداد الارتباط بالمقهى في المحلة الكبرى مع تنامي المد الثقافي والكتابة، وعرفت مقهى الفنانيين الكائنة في ميدان الشون التي شهدت لقاءات كثيرة مع الأصدقاء من الكُتاب والشعراء، وخاصةً بعد كل ندوة من الندوات التي تقام في أحد قصري الثقافة بالمحلة الكبرى؛ لتوديع الضيف حيث موقف الميكروباصات، أو قبل الندوة في انتظار الضيف القادم ولابد من التأكيد على التقدير والاعتزاز بطريقتنا التقليدية الريفية التي لم تهزمها روح المدينة. وكانت مقهى (سمر) في ميدان محطة القطار.

ملتقى لكثير من الأدباء  بالمحلة في أوقات كثيرة، خاصةً في الفترات النشطة مثل التحضير لندوة كبرى، أو لعمل مجلة تخص أحد قصري الثقافة بالمحلة، أو استقبال شخصية ما من الضيوف المحاضرين: شعراء أو كُتاب. كم كنت أسترق الوقت وأنا أجلس مع الأصدقاء في المقهى وهم يتجادلون في كل شيء حتى السياسة. تعلو الأصوات، وتهدأ بعد ضحكة صافية قليلا، وأخرى مفتعلة حسب طبيعة الموقف، وأنا مشغول ببعض الأشكال التي ترسمها سُحب الدخان المتصاعدة في الفضاء: صوت مُغني من الجيل الجديد لا أستطيع تمييزه، يزاحم أصوات الشباب مع الدومينو، وأصوات بعض السيارات. فتيات رشيقات الحركة، بعض النسوة النائمات في الشارع، أطفال تضحك، وأطفال تمد يدها للمارة، بعض الباعة، ومن يقول: تبرعوا لبناء مسجد، والآخر لعلاج مريض. وأشكال كثيرة أخرى لا أتذكرها. كانت تنبئ عن شيء ما مخيف في الأفق. ليس منها حكايات جدتي، وأبي، وعمي شيخ المسجد.

نُشر الملف في جريدة القاهرة الثلاثاء 12 مايو 2015

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى