التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

“هيبتا”: نار في هشيم، بين إشكالية الخطاب المباشر وغياب النقد الموازي.

 كتب: أدهم العبودي

أدهم العبودي.
أدهم العبودي.

 

 

 

في معرض الروايات التي لم تحظ –رغم رواجها- بأيّ حراك نقدي، تأتي “هيبتا” لكاتبها “محمّد صادق”، والتي انتشرت بين قطاعات مختلفة من القرّاء انتشار النار في الهشيم، لتصل في زمن قياسي إلى طبعتها الأربعين تقريبًا، تأتي كغيرها، وقوعًا تحت طائلة تلك النظرة المتعالية للغاية؛ والتي تُنظر لمعظم روايات هذا الجيل من عيون النقّاد، وبين الهجوم –الذي لا أصل له- على شخص الكاتب نفسه، دون مبرّر، أو غاية، اللّهم غير عمدية التجريح في حدّ ذاتها، والإهانة لضرب العمل الأدبي في مقتل بين شريحة من القرّاء أصبحت قليلة للغاية، في ظلّ الخطاب السلس –والمباشر أحيانًا- لأجيال أخرى من القرّاء، ظلّت، وستدوم، لها أحقيّة مطلقة في اختيار ما يتلاءم ومناهج تفكيرها.

الغريب هنا أنّ هذه النوعية من الروايات؛ ومهما تعالى النقّاد، أو همّشها المثقّفون، تلقى رواجًا ولا تُقتل –شعبيًا- بمثل هذه الأفكار التي لا جدوى منها، أو حتّى إنكارها، من باب أنّ الأدب الحقيقي –ومهما خفُت ضوؤه- هو الباقي، وأنّ الأدب الرائج –بمفهوم النقّاد- سرعان ما سيزول تدريجيًا ومن تلقاء نفسه!

أين المعيار هنا؟ أليس من المنطقي أنّ يكون المعيار هو مدى انتشار العمل بين القرّاء؟ وإن كان هؤلاء القرّاء حتّى شريحة عمرية بعينها؛ هي المستهدفة.

أين ذهب الناقد الموضوعي الذي ينبغي أن يفنّد ويحلّل ويقدّم للمتلقّي جماليات أيّ نصّ أدبي وعواره؟

كيف سيدلّل المتلقّي على جودة عمل من عدمه؟ كيف يمكنه أن يصل إلى كون العمل حقيقيًا أم لا إلاّ من خلال قراءات حيادية موضوعية تمنحه إضاءة ذهنية وتترجم له المعايير كلّها!

غلاف الرواية..“هيبتا” واحدة من روايات كثيرة، ظنّ الناقد أنّه –وبغروره- سوف يمنحها قيمة إذا تناولها، رغم انّ قيمتها الفعلية كامنة في خطابها ذاته، ذلك الذي تباسط حدّ أنّه اكتسب جمهورًا ظلّ لفترات عازفًا عن النزول إلى المكتبات وشراء أيّ عمل أدبي، هذا الجمهور –الأجيال الشّابة- الذي وجد أنّ مثل هذه النوعية من الأعمال الأدبية تعبّر عنه بشكل لا تحذلق فيه ولا فلسفة، تذلّل له واقعًا أشدّ ما يكون فيه الإحباط، ففي هذه الرواية تمثّلت إخفاقات الشباب، تمثّل الحلم، والأمل، وضع الكاتب يده؛ وإن بدا غير حرفي في عديد من المواضع، على أزمات تمرّ بها العلاقات الإجتماعية في مجتمعنا، ويمرّ بها الشباب الذي بلغ به الإحباط حدّ تخلّيه عن رمزية الحلم نفسها، حدّ إغراقه في تداعيات انهيار المجتمع بأنظمته، فقصد الكاتب أن يلج إلى منطقة تشغل وجدان هذا الجيل؛ منطقة شعوره، منطقة التعلّق بأضعف خيط قد يمنحه حقّ الحياة؛ وهو خيط العلاقات الإنسانية، بما لها وما عليها، من خلال شخصيات أربع: “أ” و”ب” و”ج” و”د”، والشخصية المحورية الراوي الرئيس للأحداث وهو “د. أسامة”. بدأ الكاتب بمدخل لا جديد فيه؛ محاضرة، حيلة للدخول، لكنّها حيلة لم تأتِ بإضافة، بل وجاء على لسان الراوي:

(محاضرة معمولة في موضوع ما يهمش رجّالة كتير، لأن الرجّالة كلّهم –طبعًا- مقطّعين السمكة وديلها، ومش محتاجين واحد زيي ييجي يقولّهم أو يكلّمهم عن الحب).

هنا محاولة توجيه المتلقّي، الذهاب بعقله إلى عالم رافض لكون الرجل نفسه فاعلاً في مسير هذه العلاقات، أقصد العلاقات الإنسانية، وإن بدا متناقضًا عقب ذلك أن أبطاله من الرجال! وهو ما يحيلنا إلى محاولة ابتكار شكل لآلية السرد داخل الرواية، والتعامل مع ذهنية المتلقّي بمنطق الخديعة الفنيّة، والتي غلُب عليها –داخل هذه الرواية- منهجية المباشرة، كذلك سقط الكاتب في شرك الترهّل في بعض المواضع، والاستطراد الذي يزيد عن استيعاب النصّ نفسه، كان واضحًا أيضًا كمّ الأخطاء الُلغوية التي اعترت النصّ، منها –على سبيل المثال- (ارتفع أياد قليلة) وهنا (ارتفعت أياد قليلة)، و(يريحهم من عبيء المسئولية)، التي يجب أن تكون (يريحهم من عبء المسؤولية)، و(كانوا كاذبون)، لـ(كانوا كاذبين). إنّما يأتي تساؤل ليطرح نفسه: هل يمكن أن نستمتع بالرواية؟ هل يمكن أن نستكمل قراءتها وإن بدا الطرح مباشرًا؟

قطعًا كما أنّ لكلّ عمل فنّي مثالبه، فله إيجابياته وجمالياته التي يمكن أن ننطلق من خلالها، أولى الإيجابيات اختيار العنوان؛ “هيبتا”، وهو دلالة على الرقم “سبعة” في اللاتينية، وقد صرّح البطل/ الراوي بهذا منذ الصفحات الأولى للرواية. الانتقال من شخصية لأخرى ومن زمن لزمن جاء موفّقًا، اللعب على وتر التخلّي الذي جاء في شخصيات الرواية؛ وهو ما يقارب واقعية النمط الذي ساد هذا الجّيل من الشباب، تأمّلات “ب” وتصوير الكاتب حالة التأمّل هذه كمدخل للشخصية، ولمسات الشجن في نبرة حديثه، كان إتيانها سلسًا بلا كلفة، القطع بين كلّ شخصية وأخرى، ودخول الراوي/ أسامة بين الشخصيات منح السرد حيوية، كان من الذكاء التعامل مع الأبطال بالحروف لا الأسماء، تعبيرًا عن رمزية الحالة بالنسبة لهذا الجّيل، كذلك لُغة الحوار المستخدمة؛ وهي لغة الجّيل، التي يتحدّث بها، ويمزح بها، ويحزن بها، بل –وهنا مقصد الكاتب غالبًا- يحبّ بها طرفًا آخر، هي اللغة التي جعلت بين الرواية والمتلقّي تقاربًا وحميمية، وجعلت تداخل الشخصيات، وتماهيها مع قطاع عريض من أنماط شباب، أكسبته بلادة الأنظمة أثقالاً، أدّت به إلى حالة السأم واللامبالاة، جعلته بدا واقعيًا وحقيقيًا للغاية، خاصّة أنّ الكاتب كان يُدرك كيف يفكّر هذا الجيل، وكيف يحتفي بروايته، وكيف يمكن أن يحطّ على أرضه؛ باستخدامه تفاصيل عالم هذا الجّيل داخل الرواية، كالـ”social media”، ولغة الحوار التي تتواءم مع نظرته للحياة، حتّى تعبيراته داخل لغة الحوار، جاءت معبّرة عن تصوّر هذا الجّيل للفنّ عمومًا:

(- شغّال رسّام..

– هوا فيه حد لسه بيشتغل رسّام؟)

كانت ثمّة لمسات إنسانية حملتها الشخصيات المفترضة داخل الرواية؛ خصوصًا شخصية “ب”، وإن غلب بعض الفتور في الحدث وفي مجرى السرد.

ليس من ملمح فنّي واضح داخل الرواية، لا توجد حيلة بعينها، لم يكن هناك بناء أو رسم دقيق لا للسرد ولا للشخصيات، لغة السرد نفسها كانت تحتاج إلى الكثير من التجميل اللغوي، ومحسّنات الصياغة، إنّما –وفي العموم- نجح الكاتب –في تصوّري- في تقديم طرح واقعي لما يعصف بوجدان هذا الجيل ويعترك من إحساس، بل وذهب إلى منطقة خضراء بهيّة يمكنه أن يغازل الجيل من خلالها، وأزعم أنّ الخاتمة كانت شديدة العمق، وشديدة التعبير عن معنى الرواية في الأساس:

(في الواقع لا توجد خاتمة، فكلّ نهاية امتداد يبدأ به كلّ شيء).

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى