التخطي إلى شريط الأدوات
وشوشة

سقوط النوار.. أسئلة الفقد والحياة

كتب: كريم شفيق

سقوط النواركل منا يمتلك ذاكرة خاصة، والأغلب أنها تملكك وتقع في شراكها. تفرض عليك أحيانًا أحوالاً غريبة وتصيبك بسعادة من نوع خاص ولذيذ.

هذه الذاكرة في أغلب أحوالها تكون فيها أنت أخف وزنًا من كل الكائنات حولك وتستطيع أن ترى مالا يراه غيرك وأن تنصت أو تتصنت لما لا يسمعه غيرك.

ولكن كيف تتحدد البداية أمامك ومتى تومض الذاكرة برأسك؟.

لعلها بدأت منذ فارق يونس البطل الراوي في رواية سقوط النوار العمل الروائي الأول للدكتور محمد إبراهيم طه حياته بالقرية متجها صوب دراسته للطب بجامعة عين شمس، الكتابة لدية مملوءة بوهج وشجن عارم يشوب المواقف والانفعالات والذكريات، تحس في السطور موطأ لأشخاص عاشرهم وأحس مودتهم وقابل غدرهم، تراه يدقق في أوصافهم فيزيح عن النفس ستائرها ويتكشف دواخلهم، فبينما هو لايزال طفلا يستهدفه القدر بموت أبيه، بعد معاناة مع المرض يضعك فيها أمام حال الأسرة البسيط والمتواضع فالأب الذي كان يعمل مُقرئًا للمتوفين في بيوت أسرهم يجد الابن نفسه مرغما أن يكون بديلا عنه وأن يزور البيوت والمقابر التي كان يتلو فيها والده القرآن على المتوفين فيما يعرف لديهم بـ “الرواتب”، ينسل يونس الطفل في عباءة أبيه ويطوف البيوت ليقرصه الخجل حيال هذا الموقف الذي يرى فيه نفسه بلا وزن وبلا جاذبية وينهار في كل ثانية وتنحشر في نفسه الطعون إذ ينكص عبد الوهاب غصن ويطلع من أحد البيوت التي كانت ليونس من بعد أبيه، وأمام تعدي الفقهاء أسوة بما فعله غصن إزداد حال الأسرة عوزًا وبؤسًا بعدما ماتت أخته أسماء من المرض بينما أمه استقر بها الحال حيث جاورت المقابر لا تفوتها والناس لا ينسونها دون أن تطلب مالا أو زاد يضعونه في “السبت” ولم تنقطع عاداتها إلا حين دلف للجامعة يونس.

ظل يونس تلاحقه صورة والده يقف منتصبًا أمامه في المدى يشد على ساعديه كلما نغزة وسأله عبد الوهاب غصن عن أمه مُصرحًا بالزواج منها.

كما رافقت يونس صورة الأب المنتصب فوق حصان الحقيقة كما جاءت في إحدى الصور الشعرية لأمل دنقل:

أبي.. لا مزيد.

أريد أبي عند بوابة القصر..

فوق حصان الحقيقة، منتصبًا من جديد..

لا أطلب المستحيل.. لكنه العدل.

 

كريم شفيق
كريم شفيق

والتي جاءت على لسان مريم السورية الأب والمصرية الأم والتي تداخلت بخيوط عميقة في الرواية كأنها سفر بين ما عاشه البطل الصغير والبطل الشاب بين مناجاته لهذه التربة الخصبة التي ظل طميها يلوك في فمه ويستطعمه وبين نزيف مريم الذي سال على أراضي القرى وجففته ماء الطلمبات، والتي كانت تزورها متحدية سرطانها فبينما يحوم حولها مثل طائر خرافي يتهددها بالانقضاض في أية لحظة كأنها كانت تقف فوق منضدة إعدام ستسقط في الفراغ في أية لحظة.

استطاع إبراهيم طه أن يذهب بنا وينقلنا مع يونس ويجمعنا به بداخل قريته وخارجها وبداخل ما يضطرم بنفسه وعن عوائد أهل القرية ومعتقداتهم وموروثاتهم وعن طبيعة الخير والشر في حضور الأرض والطبيعة والناس، فجدته التي ظلت محتفظة بماء الغسل لزوجها حتي نالت ثأره فزوجت ابنتها قشطة التي لم تبلغ بعد لمن حمل لها بثأرها من على “أبو البهايم”. وجدته بغداد التي ظلت تعاني من تدلي أحشاءها من رحمها تمتنع أن يطلع عليها طبيب أو مزين أو داية في أي حالة تستدعي كلا من هؤلاء فأنجبت وربطت السرة بفتلة من التيل و”هانم فوده الداية” تقف بالخارج ويصف لك لحظات وفاتها كالأتي “فاضت الروح مفتوحة العينين كأنها تراقب ما يحدث حتى إن زاد المال المغسلة ارتبكت وهي تنزع عنها ثوبها”. صرامة وجمود وهيبة وبأس ينزعان عنها صفة الجدة التي تعيش حكاية في حكايات الصغار وخرافاتهم التي يحكونها ويؤلفونها.

عاشت الجدة بغداد مثل حكاية شعبية قديمة وحقيقية تحفظ وتؤمن في العلاج ببعض القراءات والتعاويذ وأرقام الشهور التي يحل فيها الخير والبركة وبعض الوصفات كالزيت الدافئ ولبن الماعز وعنب الذئب وغيرها.

حَوَّت الرواية شخوص عديدين تزاحموا وتناسلوا في زخم على ذاكرة الراوي ودقة في الوصف المشهدي للقرية بكل ما فيها من مصارف ومدقات وترع وأشجار السنط والسيسبان وأشجار التوت والكافور والبنسيان وأنواع أخرى قد تسمع بها للمرة الأولى كعنب الذئب وصابون الغيط وفرس النبي الأخضر.

الكتاب كان محطة كل الأولاد بالقرى والريف ومثلهم يونس وخاله عز الرجال الذي جسد شكلا من أشكال الأسطورة في مواهبه وتمرده ونزوعه للخطر ومغامراته الكثيرة ومجابهة المحظور والممنوع فكان أول من يتمرد علي الكتاب ويخرج من حظيرته دون عودة وعلم يونس ما لا يعلم فأراه العوم في الترع والعوم في النهر الكبير وكيف يستلقي على ظهره فوق الماء وكيف يعوم ضد التيار ويتسلق الأشجار السامقة وينادونه جمال عبد الناصر ولكن الجدة بغداد تحرم الحناء التي زرعها عز الرجال الغائب دون أثر قبل أن يجني ثمر شجرة الفرح التي زرعها وفاتهم في غموض يحلق في أذهانهم.

شكلت مريم الطالبة بكلية الطب زميلة يونس وحبيبته التي تنتصر على مرضها القاسي برفضها المكوث في المستشفي وولعها بزيارة القرى ومصافحة الوجوه الطيبة وأنسنة الأشجار والطيور والأعشاب وتعبيرها أن القرى مثلها مثل النساء لكل واحدة نكهتها الخاصة فهل كانت تتغاضى عن وجهه الجهم وهو يسفر عنه أمامها وكيف؟.

إذًا مريم تجسد نموذجًا تقاطع مع الرواية فهي تمثل ثمرة نضجت ثم لم تلبث أن سقطت كنوار في حياة الوحدة بين مصر وسوريا وإخفاق التجربة فبينما الأب يقع معافى إلا من استسلام ووهن يصيب عوالمه الداخلية والنفسية وكأنما احتبس عن النهر ضوء الشمس تتجمد مريم وتشتعل النار في جسد أخاها ويجمع صراخه المستغيث الناس من خارج الدار بينما الأب كان في جزيرة بعيدة متباعدة وتقرر العودة إلى القاهرة مع ابنتها الوحيدة وتظل الخيوط المشدودة تتعقد وتتقاطع تتزوج الأم من عمها  شرف والمقيم بمصر ويقيمان كل منهما في جانب.

فالموت الذي ظل يحوم ويسفر عن وجهه مرة في عز الرجال ومرة أخيرة مع مريم فهل مات عز الرجال الأسطورة في شبة زعيم سياسي؟ وهل ماتت مريم التي خفت أثرها فجأة  أم كان إعلانًا عن لا معلوم في موطن إرادة وصمود جيل هوى بلا أمل يجنح عليه؟.

لذا كانت ثمة أسئلة تقاسمها كل من يونس ومريم عما يحيك واقعهم الإنساني والكوني، ورغم أن الأسئلة عبرت طبيعية غير مفتعلة وبدون جلبة أو إثارة ولكنها ظلت معلقة في الفراغ تحمل هم وجودي عام فسأل يونس والده “لماذا كل المقيمين حول مقامات الأولياء من الفقراء” ومريم تتساءل وكأنه نفس السؤال معادًا بصورة وشكلا آخر هل قسم الله حين صور النسوة غريزة الأمومة بالتساوي بينهن”. فكلاهما يتعثر في صور المتناقضات العنيفة التي تعصف بصورة العدل والمساواة والسعادة التي يتقاسمها البشر دون أن يقصف عمرهم لا شيء والباقي معه كل شيء.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة