التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

“كلاب الراعي” لو أدرك أول القطيع مصيره.. لما توالت عليه باقي الصفوف

​كتبت: نضال ممدوح

نضال ممدوح
نضال ممدوح

 

 

 

يتوزع علم التاريخ والرواية على موضوعين مختلفين٬ يستنطق الأول الماضي فحسب٬ بينما يسائل الثاني الحاضر والماضي معًا٬ وبحسب “جورج لوكاش”: فإن الرواية التاريخية حقيقية، أي رواية تثير
الحاضر، ويعيشها المعاصرون بوصفها تاريخهم السابق للذات٬ أو كما يعرفها الناقد محمود أمين العالم بأنها “عمل فنّي يتخذ من التاريخ مادة له، ولكنّها لا تنقل التاريخ بحرفيته، بقدر ما تصوّر رؤية الفنّان له وتوظيفه لهذه الرؤية للتعبير عن تجربة من تجاربه، أو موقف من مجتمعه يتخذ من التاريخ ذريعة له”.
والرواية الأدبية إذ تفرز الرواية الاجتماعية والرواية الواقعية بأنواعها، والرواية الجديدة، والرواية التاريخية وغيرها، فإنّ لهذه الأخيرة علاقة خاصّة بالتاريخ الذي تجمع ما بين حقائق التاريخ وفتنة الحكي المبهرة، فالرواية التاريخية تشترك مع الرواية الأدبية -بصورة عامّة- في وجود بنية تاريخيّة تتأسس عليها، بمعنى وجود فضاء وأحداث وشخوص كما في الواقع، إلاّ أن الرواية التاريخية تنطلق من أحداث وذوات حقيقية مختلفة في الغالب، وتشكل جزءًا من تاريخنا وماضينا الممتد حتى اللحظة الراهنة.
وكما عرف الكاتب الصحفي “أحمد بهاء الدين” الإنسان بأنه كائن له تاريخ وحيث إن التاريخ يبعث في الإنسان الشغف إلى الماضي وإقتفاء أثره في جوانب القوة والمجد والحذر من الإنزلاق نحو كوارثه ومآسيه٬ وحين يصبح بأحداثه وشخصيّاته مادة للرواية فإنّه يصبح إستدعاء كامل للماضي بإسقاطه على الحاضر والمعاش في رؤية فنيّة شاملة، فيها من الفن روعة الخيال وجاذبية الذكرى، ومن التاريخ صدق الحقيقة ولعلّ هذا يفسر جاذبيّة الرواية التاريخية التي تحاول أن ترد الحاضر لشيء كان موجودًا فعلاً، فالقارئ وهو يقرأ الرواية التاريخية يشعر أنّ ما يقرؤه ليس من صنع خيال المؤلّف، فالخيال وظيفته هنا هو تشكيل الصورة التي كانت عليها الحياة في الماضي القديم ورسمها دون تحريف أو زيادة أونقصان الروائي يغزل نسيجه الأدبي بالحدث التاريخي لينسجم البناء الفنّي مع ما يدور في خلده ووجدانه.
وفي روايته الأحدث “كلاب الراعي” يحاول أشرف العشماوي منذ التوطئة: “لو أدرك أول القطيع مصيره.. لما توالت عليه باقي الصفوف” إيجاد تفسيرًا وردًا على الساخرين من بديهية تكرار التاريخ نفسه وإعادة إنتاج حوادثه في كل مرة مع إختلاف الأزمنة والأمكنة٬ لكن تبقى النتائج هي هي في كل مرة ومع كل حدث في متوالية من التكرار المُمل.
تتناول رواية “كلاب الراعي” حالة السيولة السياسية والإجتماعية لمصر في الفترة الزمنية 1803 إلى 13 مايو سنة 1805 بترسيم محمد علي باشا ولاية مصر المحروسة٬ ويلج العشماوي عالم المماليك المظلم وما ساده من مؤامرات وإغتيالات وتصفيات جسدية بين أمرائه لبعضهم البعض فيفتتح الرواية بمشهد المكيدة التي دبرها محمد علي للإطاحة بطاهر باشا وجثته الملقاة على ظهرها على يد ثلاثة من المصريين بتكليف من محمد علي وبقيادة “حسن الرومي” المُلَّقب بـ “الشاطر حسن” شقيق كمال سيف الدولة نائب محتسب المحروسة رجل كل الأنظمة والموالي فقط لشهوة السلطة أينما كانت والذي لا ينتمي إلا للمعسكر الرابح٬ والذي ينجح في إنتزع إعتراف من مُنفذي إغتيال طاهر باشا بعد إيداعهم سجن “العرقانة”.
وتحت ضغط إنجليزي فرنسي يصدر السلطان العثماني فرمانا بتعيين “عثمان البرديسي” واليًا على مصر في نفس توقيت الأزمة الاقتصادية عام 1803م بسبب نقص مياه النيل وقلة المحصول وانخفاض الدخل العام، يلجأ البرديسي إلى فرض ضرائب باهظة على جميع طوائف المصريين، فيقوموا بالثورة ضده: “ثورة القاهرة تهب٬ ثورة القاهرة تخمد وفي كل مرة مئات الوعود للبسطاء والفقراء من الرعية يطلقها الراعي ليسكتهم ثم تتبخر في الهواء” والتي أعلن فيها محمد علي عن إنضمامه إلى العلماء والمشايخ بقيادة كل من عمر مكرم والمعلم جرجس الجوهري ونزل بجنده إلى الشوارع، واختلط بالأهالي الساخطين، وتعهد

أشرف العشماوي
أشرف العشماوي

للعلماء والمشايخ برفع الضرائب الجديدة عن الناس كما أوصى جنوده باحترام الشعب، وبهذا كسب عطف الشعب وثقة زعماءه وان كان هذا التعاطف بإيعاز منه شخصيًا بتحريكه للأحداث والوقائع لتصل لتلك النتيجة: “بلد لديه خير كثير كامن في أرضه ولكن ينقصه الأخيار من أهله ليحكموه”.
نجح العشماوي في رسم تفاصيل تلك الفترة المضطربة المتخمة بالفوضي والإرتباك والتي أغفلها التاريخ أو أختزلها المؤرخون في بضعة أسطر قليلة بين صفحاته٬ والتي لم تستغرق أكثر من عامين بين تعيين أكثر من حاكم بعضهم لم يستمر حكمه أكثر من يومين “أحمد باشا”  حتى يوم تنصيب محمد علي في صحن الجامع الأزهر بمباركة شيوخه وعلى رأسهم عمر مكرم ومشاركة “المعلم جرجس الجوهري” ممثلا عن الأقباط وهنا في هذا المشهد تحديدًا نسجه الكاتب ببراعة يحسد عليها تنقل المتلقي لمكان وزمان الحدث ذاته٬ فيمكنك رؤية انتفاخ أوداج محمد علي وتورد وجنتيه وهو يتصنع الزهد في إرتقاء ولاية مصر فيعقد ما يشبه البيعة لاختيار عمر مكرم الذي بدوره يلقي بالكرة في ملعبه وتنطلي الخدعة على المصريين وهم يظنون أنهم لأول مرة يمارسون حقهم في اختيار حاكمهم.
نجحت “كلاب الراعي” في تجديد حيوي فعال لذاكرة الماضي -في تماس مع الحياتي المعاش- لتلك الفترة الإنتقالية بكل صراعاتها ومؤامراتها بين أمراء المماليك بعضهم البعض الماضي وبكل مواريثها الحية المزدحمة بالمفارقات والإحداثيات والمنصوصات والشخوص والبطولات والمأثورات والمصورات والتباينات.
عن دور المرأة المصرية القديم قدم مصر وهي تخرج في المسيرات وتشارك الرجال المظاهرات وهن ينشدن الهتافات التي لقنتهن إياها “زينب خاتون”٬ عن الأقباط ومشاركتهم المسلمين كتفًا بكتف في مقاومة طغيان المماليك وحماية أيقونة المقاومة “الشاطر حسن” بدءًا من يوسف الفقير وليس إنتهاءً بالمعلم يعقوب الذي اختار بشجاعة الموت بالخازوق على أن يشي بالشاطر حسن وهو الموقف الإستشهادي الفدائي الذي تختاره “حليمة” العرافة التي يلقونها للمشنقة بدلا من شقيقة أحد بكوات المماليك بعدما قتلت جاريتها من شدة التعذيب: “القتيلة مصرية، مجرد جارية وقد اخطأت فأدبتها سيدتها، يكفي أن يحصل أهلها على دية هكذا أفتى القاضي عثمان ركن الدين وهذا هو حكم الشرع وقد طبقناه. أمامك يومان لتقنع الأهالي بأن القتيلة لصة وأن شقيقة إبراهيم بك لم تكن تنوي قتلها. هيا أُغرب عن وجهي” وفي لمحة خاطفة ساخرة يلتقط الراوي ذلك المشهد الرهيف عن تواطؤ الفقهاء / القضاة مع الحاكم وتفصيل الفتاوى والأحكام بما يتماشي ورغباتهم٬ ذاك المشهد الذي تكرر على مدار التاريخ ولكن أحدًا لم يلتفت إليه ومازلنا ندفع ثمنه.
بالرغم من كون “كلاب الراعي” رواية تاريخية إلا إنها كشفت وعرت خبايا النفس البشرية بما يشبه التحليل النفسي لطبيعة شخصية كمال سيف الدولة بكل ما فيها من دناءة وضعة في لهاثه المسعور وراء شهوة السلطة والسطوة وعبوديته لمن يشتريه  ولو كان العدو الذي حاربه وكاد يقتل أخيه “الحسن الرومي” من أجل الوصول إليه وتعقبه لذا جاءت تركيبته وبناء شخصيته أقوى وأكثر تأثيرًا على المتلقي من شخصية البطل المحوري حسن الرومي ورومانسيته الثورية التي عادت وأنتجت نفسها مرة جديدة  مع شباب ثورة يناير ٢٠١١٬ وتناقض موقفه من المماليك ومقاومتهم ففي الوقت الذي يطاردونه ويلجأ لمطاريد الجبل وقائدهم “سليم أبو دياب” يرفض الإغارة عليهم وقطع طريقهم في تلك الحملات التي يشنها أبو دياب متذرعًا بأنه لا يستطيع إرتداء جلد الذئاب٬ الحسن يرفض مقاومة المماليك بطريقة الذئاب وهو تناقض صارخ يتسم بمثالية تتناقض ومشروع المقاوم.
كلاب الراعي لن تفرغ منها إلا بالاشتباك والتواطؤ مع حتمية التاريخ الذي يعيد نفسه٬ وذلك الصراع بين قناصل الدول الأجنبية في مصر من أول القنصل الإنجليزي إلى القنصل النمساوي والفرنسي للفوز بنصيب الأسد من “الكعكة المصرية” والذي نشهد أحداثه  منذ خروج أخر جندي إنجليزي من القناة وحتى كتابة هذة السطور٬ والصراع الدولي لتقزيم المحروسة وبث الفتن والصراعات على أرضها فلا تقوم لها قائمة٬ تجلى في معاهدة لندن 1840 التي كانت بداية النهاية لقوة محمد علي مؤسس مصر الحديثة٬ لكن الكاتب فتح أمامنا دفقة أمل في نهاية الفصول الـ ٢٤ بفصل  تحت عنوان “الناجي” وهو يبحر في المتوسط نحو فرنسا ضمن البعثات التعليمية في محاولة هي الأنجع لتحرير العقول وصرخة ربما الأخيرة بأن طريق الحرية يبدأ بالسؤال والدهشة٬ وهو يفض مخطوطات الشاطر حسن التي أخفاها له٬ مُخلفًا ورائه الأب المقتول سيف الدولة والعم الحالم الشاطر حسن يقضي ما تبقى من حياته داخل زنزانة عقابًا لأنه لم يتحمل رؤيتها “نور سين / ضي القمر” مصر المحروسة تهان وتمتهن من قبل المتقلبين على عرشها والذين طالما خدعوها بدعوى: “آن لها أن تستقر”.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى