التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

لماذا نكتب؟

كتب: باهر بدوي

 

عرفت نفسي رساماً منذ أدركت عيناي شعاع الدنيا. هو الشأن الوحيد الذي أجادته أصابعي إلى جانب الكتابة. لم تتردد أناملي، منذ ضغرها، لحظة عن الإمساك بأي آداة صالحة للخط– قلم جاف، رصاص، طبشور، ماركر – كلما وجدت مسطحاً، أياً كانت خامته، فقط لأبدأ أخط  على سطحها مباهج و قتامة أحلامي السابحة بين سحب سماواتي و دنياي الخاصة و البعيدة عن أرض الواقع. العالم البعيد، صنيعة عقلي الشارد، الذي إحتجزت نفسي بين جدرانه لأجل رؤية أكثر إشراقاً للواقع بكل مآسيه. لم تكن علاقتي بالرسم هواية قدر ما كانت محاولة لتقديم ما يمور بداخلي من أفكار و صراعات شخصية و آرائي المؤرقة للياليّْ للخلق، فأنا بطبعي إنسان خجول، على قدر من الإنزواء، غير إجتماعي بالمرة وكانت هذه الهبة بمثابة رئة ثالثة، أزفر من خلالها أثقال صدري منذ الطفولة.

أنهيت دراستي و بدأت رحلة البحث عن العمل كفنان للـ”كوميكس” بالعديد من مجلات الأطفال و صحف المعارضة، كنت على يقين أن الأمر ليس باليسر الذي يتصوره البعض، لكن توقع الفاجعة لا يقلل من فجاعة وقوعها، فهذا الوسط محجم ببلدنا. قليلين هم، من يحكمون قبضتهم حول نحره، غير سامحين للمزيد من ولوج أبوابه. إنها النفس بكل أدغالها المتعانقة إلى حد التشابك. شيئ آخر، تكشفته متأخراً، قتلني إحباطاً؛ قليلون هم من يهتمون بالرسم– بجميع فروعه –  في مصرنا. محدودون جداً. لا أذكر، و لا أريد في الواقع، أن أذكر الليلي الطويلة التي جافاني فيها الحزن و السخط بفرشتي. هنا، كانت ذكرى ما تومض عقلي بين الحين و الحين؛ كنت لم أزل أذكر إشادة أساتذة اللغة العربية بالمدرسة بمواضيعي الإنشائية و ثراء مفرداتي و لم أنس لحظة الدرجات التي كنت أحصل عليها. لن أنكر أبداً – و حتى يومنا الراهن – إني أعاني من أزمة نحوية نظراً لنشأتي بمدراس للشهادات الدولية و كان إهمال اللغة العربية أمراً جلي و لكن كان ثراء القراءة هى العامل الأول وراء نجاحي في مادة التعبير. كل ما كان يربطني بالكتابة لم يتخطى بعد، بضعة نصوص أكتبها لنفسي بين الفينة و الأخرى، كمتنفس آخر إلى جانب الرسم. مواقف و أزمات عنيفة مررت بها، سخط و غضب عن أوضاع البلاد المزري، كلها إتخذت صورة القصة القصيرة و ليست المقالات. سقطت النصوص مصادفة بين أيدي أحد المستشتارين الثقافيين – بارك الله له –  و أشاد بها و شجعني على خوض تجربة النشر. أمسكت بالنصوص المبعثرة، تائهة المعالم و قمت بترتيبها و تنسيقها و تزويد و حذف ما رأيته مناسباً مع الإغراق في تزويد جرعات القراءات الأدبية يومياً. لم اتغاضى لحظة عن الزج بكل ما حلمت يوماً بعرضه من رؤى و أفكار و نقد، فشلت في تقديمه للمجتمع من خلال اللوحات أو كادرات الكوميكس، قليلة الجماهير. في النهاية، كانت مجموعة قصصية من ثماني قصص، قابعة بين يدي.

كثيرين اليوم، تعرفوا عما يعتمل بداخلي من خلال الأدب. خرج البركان من فم الجبل عابقاً بقذائف لاهبة من الأفكار و الرؤى و الهجوم و الغضب و الأحزان المكبوتة مذ عقود. قد نجحت المحاولة دون تفؤل مني. صارت هذه الكتلة  في متناول اليد على نحو أكثر سهولة و إن لم تخلو من الموهبة بشهادة العديد من الأقلام المحترمة و الثقيلة من الوسط الثقافي. لكن الرسم لم و لن يتوقف عن كونه النهر الدافق بين عروقيو إلا أصابها الجدب و الجفاف.

 

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى