مقالات

الكتب الممنوعة.. حكاية لا تنتهي

كتبت: نضال ممدوح

نضال ممدوح
نضال ممدوح


 

على طريقة رواية “فهرنهايت 451” للكاتب الأمريكي “راي برادبري” والـ 451 درجة الحرارة التي يتم بها حرق الكتب وتدميرها بالنيران -لم تكن الواقعة الأولى ولن تكون الأخيرة- حينما قامت..

وإذا تتبعنا تاريخ “كراهية الكتب” وطرق تدميرها سواء بحرقها وتحريمها وإعدام من يقتنيها كما في رواية “451” الكابوسية نجد أن مئات الوقائع وقصص كراهية الكتاب والخوف منه واعتباره عدو. فمن مؤلفات “ابن رشد” الفيلسوف الأندلسي الذي كانت فلسفته ظاهرة علمية عالمية في زمن كانت الثقافة متعددة التخصصات لكن “المنصور” الخليفة العباسي كان يرى غير ذلك واتهمه بالكفر والزندقة وحرق جميع مؤلفاته الفلسفية وحظر الاشتغال بالفلسفة والعلوم ما عدا الطب والفلك والرياضيات٬ مرورًا بمحاكم التفتيش في أوروبا خاصةً “إيطاليا” وكان من الممكن أن يكون “جاليليو” أحد ضحاياها فقط لأنه قال بأن “الأرض كروية تدور حول الشمس”٬ وحرق الكتب والعلماء في عهد أسرة تشين الصينية وتدمير الإسبان لمخطوطات المايا٬ وكان لـ “جوبلز” وزير إعلام “هتلر” باع طويل في قمع الفكر والكتاب وإلى الآن مازالت عبارته “كلما سمعت كلمة ثقافة تحسست مسدسي” ممهورة بتوقيعه وتحمل بصمة الفاشستية العرقية والفكرية.

جوزيف جوبلز
جوزيف جوبلز

عرفت مصر الرقابة بشكل رسمي عام 1881 وسُميّ “بقانون الرقابة على المطبوعات” الذي سنته سُلطات الإحتلال الإنجليزي ولم يكن قد مر شهر ونصف على مظاهرة “أحمد عرابي” أمام سراي عابدين، وأشار القانون إلى حق الحكومة في مصادرة كل عمل مكتوب أو مرسوم أو معروض يحمل رأيًا مغايرًا “للنظام العمومي والآداب أو الدين”٬ وإن كان التاريخ يحمل لنا شهادة حول حادثة وقعت قبل صدور هذا القانون عندما اعترض الخديوي إسماعيل عام 1870 على مسرحية يعقوب صنوع “الضرتان” لأنها اشتملت على تعريض بمن يتزوج بأكثر من واحدة، فمست الخديوي ذاته وعلاقاته النسائية المتعددة دون قصد.
وفي عام 1909 كتب خليل مطران محتجًا على قانون المطبوعات قصيدته الشهيرة:
كسروا الأقلام هل تكسيرها.. يمنع الأيدي أن تنقش صخرًا؟
قطعوا الأيدي هل تقطيعها.. يمنع الأعين أن تنظر شزرًا؟
أطفئوا الأعين، هل إطفاؤها.. يمنع الأنفاس أن تصعد زفرًا؟
أخمدوا الأنفاس هذا جهدكم.. وبه منجاتنا منكم.. فصبرًا!

الإسلام وأصول الحكم
الإسلام وأصول الحكم

لكن البداية الحقيقية لمطاردة الكتاب والأفكار والإبداع بشكل رسمي من قِبل الدولة والسلطات الرسمية المتمثلة في الملك “فؤاد” مع كتاب “الإسلام وأصول الحكم” الصادر في أبريل سنة 1925 الذي كتبه الشيخ علي عبد الرازق قاضي محكمة المنصورة الإبتدائية الشرعية حينذاك، واجه الكتاب قائمة إتهامات طويلة على رأسها الكفر والإلحاد٬ وفي عام 1926 صدر كتاب “في الشعر الجاهلي” للدكتور طه حسين المدرس حينذاك بالجامعة المصرية وقامت القيامة على الكتاب ومؤلفه ولم تقعد حتى الآن للدرجة التي دفعت الدكتور طه حسين إلى أرسال خطاب لمدير الجامعة بتاريخ 12 مايو 1926 يؤكد فيها إسلامه!!
وفي سنة 1959 حدثت أشهر المصادرات وهي مصادرة رواية “أولاد حارتنا” لنجيب محفوظ “واشتعلت أزمة مجتمعية لم تهدأ إلا باتصال من “حسن الخولي” الممثل الشخصي لرئيس الجمهورية بنجيب محفوظ واستأذنه في عدم نشرها في كتاب داخل مصر ووافق نجيب محفوظ لكن الرواية مازالت ممنوعة رسميًا حتى الآن.
وأصاب المنع كتاب “مقدمة في فقه اللغة العربية” للمُفَكر “لويس عوض” والذي تمت مُصادرته سنة 1981 وإنتفض الفقهاء وثار الأزهر فهذا لأن الكتاب تناول اللغة العربية كأي لغة أخرى ظاهرة اجتماعية تتطور بتطور المجتمعات وتضمحل وتتجدد وتتلاقح٬ وكان على المسيحي لويس عوض أن يناله من “المصادرة جانب”.
وبعد ثماني سنوات من مصادرة كتاب لويس عوض أتى الدور على المصادرة التي انتهت باغتيال الدكتور “فرج فودة” على خلفية كتاباته المستنيرة التي تلقي الأفكار في بحيرة الحياة الفكرية الآسنة٬ القائمة طويلة تضم كتب المستشار “محمد سعيد العشماوي” وهي الإسلام السياسي والخلافة الإسلامية وأصول الشريعة ومعالم الإسلام والربا والفائدة في الإسلام٬ والكاتب علاء حامد “مسافة في عقل رجل”٬ وإغلاق مجلة إبداع على خلفية نشرها قصيدة “شرفة ليلى مراد” للشاعر حلمي سالم٬ وطلبات الإحاطة التي قدمت في مجلس الشعب ضد رواية “وليمة لأعشاب البحر من مدعي شهرة “محمد عباس” الذي حرض على الرواية وكاتبها السوري “حيدر حيدر” مما أشعل جامعة الأزهر بالمظاهرات وخروج طلابها ييبتغون رأس كل من ساهم في ظهور ” الوليمة” بدءًا من مؤلفها وليس إنتهاءً بالمسئولين عن نشرها” وتحويل الكاتب “إبراهيم أصلان” للتحقيق حيث كان يشغل منصب رئيس تحرير سلسلة “آفاق عربية” التي تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة رغم أن الرواية كانت قد نشرت قبل هذه الزوبعة بأربعة أشهر!.
وفي عام 2001 اشتعل الجدل في الأوساط الثقافية عقب ما تعرضت له ثلاث روايات جملة واحدة، صدرت إيضًا عن هيئة قصور الثقافة وعرفت حينها بـ “أزمة الروايات الثلاث” وهي روايات: “أحلام محرمة لمحمود حامد، وأبناء الخطأ الرومانسي لياسر شعبان، وقبل وبعد لتوفيق عبدالرحمن”٬ حينما تقدم نفس مدمن الشهرة “محمد عباس” عضو جماعة الإخوان المسلمين باستجواب في مجلس الشعب لوزير الثقافة المصري في ذلك الوقت “فاروق حسني” يتهم الروايات بإنتهاك الآداب العامة وإحتوائها على مشاهد وألفاظ خادشة، مما ترتب عليه مصادرة ومنع الروايات الثلاث وإقالة القائمين على سلسلة النشر في الهيئة.
كشفت هذة الحادثة عن مدى إيمان الكثير من المثقفين بمبادئ حرية التعبير عن الرأي والإبداع إذا التزم كثيرون الصمت، وذهب آخرون بعيدًا فأدانوا الروايات، معتبرين أنها تستحق جزاءها من المصادرة، مؤيدين في ذلك لموقف وزير الثقافة فاروق حسني والمخول به الدفاع عن المبدعين، وحرية التعبير، لم يحرك أيًا منهم ساكنًا!

إدريس علي
إدريس علي

وفي عام 2010 ألقت الشرطة القبض على الروائي “ادريس علي” على خلفية نشره لروايته “الزعيم يحلق شعره” التي تتناول جانبًا من الأوضاع الاجتماعية في ليبيا في نهاية السبعينيات٬ ولم تكتف بالقبض على أدريس فقط بل قام قسم شرطة شبرا حيث تقع دار النشر “وعد” -الصادرة عنها الرواية- في نطاقها بالقبض على الناشر “الجميلي أحمد” وأغلقت دار النشر٬ وصادرت نسخ الرواية من معرض القاهرة الدولي للكتاب حيث كانت تعرض الرواية في دورة ذلك العام.
سلسة حلقاتها طويلة من المنع والمصادرة ومطاردة الإطروحات الفكرية والإبداعية أبطالها لا يملكون سوى خيالهم وأفكارهم كأسلحة رفعوها في حروبهم وواجهوا بها الأفكار الظلامية٬ تلقوا العديد من التهديدات بالقتل والإغتيال والتصفية الجسدية كما حدث مع نجيب محفوظ وفرج فودة٬ مرورًا بالتكفير والخروج من الملة كما حدث مع الدكتور سيد القمني٬ وليس ببعيد تلك الأصوات التي استهجنت منحه جائزة الدولة التقديرية بل وطالبت بسحبها منه والتهديدات التي كانت توجه له ولأسرته٬ ولا ننسى بالطبع كتابات الدكتور “أحمد صبحي منصور” وما وُجه له من تهديدات أيضًا٬ ولا عقوبات التفريق والطرد خارج مصر كما حدث مع الدكتور “نصر حامد أبو زيد وزوجته الدكتورة إبتهال يونس ورحيله عن الحياة منفيًا في هولندا على خلفية نشره كتاب “مفهوم النص”.
ولم يسلم المؤرخ خالد فهمي، أستاذ التاريخ بالجامعة الأمريكية فقد رفضت سلطات الرقابة على المطبوعات بمصر عام 2012، استيراد كتاب “تاريخ الشرق الأوسط الحديث للمؤرخين الأمريكيين ويليام كليفلاند ومارتين بنتون، الذي كان من المقرر تدريسه لطلاب مادة التاريخ العربي الحديث، دون إبداء الأسباب.
– “أين الله” عندما تتحول الرقابة من سُلطة الدولة إلى سُلطة المجتمع

يُعد الكاتب الروائي “كرم صابر” أحدث المطاردين من قبل الرقابة المجتمعية هذة المرة حيث يواجه عقوبة الحبس لمدة خمس سنوات حيث قام مجموعة من المنتمين للتيارات الدينية برفع دعوى قضائية ضد كرم في أبريل من عام 2011، يتهمونه فيها بازدراء الأديان لإصداره مجموعته القصصية “رأيت الله”، تدعو إلى الإلحاد وسب الذات الإلهية وتحض على الفتن وإهدار الدماء -حسب وصفهم- بعد أن أصبحت تهمة إزدراء الأديان هي العصا التي تلوح بها التيارات الدينية في وجه المبدعين، مستغلين أن نصوص هذا الاتهام في قانون العقوبات جاءت فضفاضة وغير محددة٬ ويُعد الحكم الصادر ضد كرم صابر حُكمًا لم يشهده كاتب أو روائي في مصر منذ 20 عامًا فمن المعروف أن الحكم في مثل هذه القضايا يتراوح من 6 أشهر وحتى 5 سنوات، والحكم على صابر بالحد الأقصى.
قضية صابر تتكشف فيها سطوة “الحسبة الدينية” التي يمارسها المجتمع نفسه هذة المرة بعيدًا عن السُلطات الرسمية والتي لا تبدو بريئة تمامًا خاصةً في ظل وجود مخالفات قانونية شهدتها التحقيقات والمحاكمة فبجانب استكتاب منتسبين إلى الكنيسة والأزهر ضد المجموعة، وتقديم ما كتبوه ضمن ملفات القضية إلى المحكمة، فإن المبلغين أخفوا معلومات من شأنها تغيير الاختصاص القضائي المكاني للمحكمة، حيث إنهم اتهموا الكاتب بأنه هو نفسه ناشر المجموعة القصصية وأنه من قام بتوزيعها، وتجاهلوا قيام دور نشر معروفة بالقاهرة بنشرها وتوزيعها وتجاهلوا قيام مؤسسة الأهرام ومقرها الرئيسي في القاهرة بتوزيع الكتاب، وتجاهلوا أن مكان إقامة الكاتب الفعلي في القاهرة، وذلك لأنهم كانوا يستهدفون أن يتم نظر القضية أمام محكمة بعينها -بالطبع يثقون بميولها- رغم أنها محكمة غير مختصة مكانيًا بنظر الدعوى.
كما تكشف قضية “كرم” عن استمرار الدولة في التراخي في التعامل مع قضايا الحسبة الدينية والسياسية لما تشكله من خطر على حرية التعبير والإبداع لأنها تسمح لغير المختصين والظلاميين بفرض نوع من الرقابة على الأعمال الإبداعية، التي لا يختص بالحكم عليها سوى الجمهور والنقاد.
علامات إستفهامات تثيرها أيضًا القضية حول سلوك النيابة العامة في التعامل مع البلاغات الواهية المُقدَّمة إليها ضد مواطنين بتهم إزدراء الأديان أصبح يثير علامات استفهام حول دورها الحقيقي، وقيامهما بالتثبت من البلاغات المقدمة إليها من عدمه، فقد دأبت النيابة العامة على استدعاء المشكو في حقهم والتحقيق معهم وإحالتهم للمحكمة بغض النظر عن الوقائع، وهو ما يعكس إخلالاً بسلطات التحقيق الممنوحة لها وتأثر أعضاء النيابة بمشاعرهم الدينية.
في تتبع رحلة قمع ومطاردة الأفكار والكتب لا ننسى الروائي الجزائري محمد شكري وروايته “الخبز الحافي” التي ماتزال ممنوعة في بعض الدول العربية٬ ويبدو أن سلسلة “محرقة الكتب” والإبداع لم تنتهي بعد حتى إشعار آخر.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى