التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

لماذا نكتب؟

كتب: يحيى موسى

 

لماذا أكتب؟ فعلًا؟ هل تسألني فعلًا: لماذا أكتب؟

حسنًا.. هي ليست المرة الأولى التي يسألني فيها أحدهم هذا السؤال.. لقد تعرضت كثيرًا (وطوال خمسة عشر عامًا) لهذا السؤال..

ربما ليس غريبًا أن تعرف أن أكثر من حاصرني بهذا السؤال هو (أنا).. كنت أفتح عيني كل صباح على جدران غرفتي باهتة اللون، وباب شرفتها الصغيرة، مدركًا لحقيقة كئيبة؛ ليست هذه الجدران هي ما يحبسك فعلًا.. هذه الشرفة ثابتة اللقطة ليست هي ما يحرمك من الدراما الكبيرة للحياة..

وحينما أفيق تمامًا، وأغتسل، وأرتدي ملابسي، أمد يدي في جيبي وأخرج مصروفي لأتأمله، وأفكر: ماذا يمكن أن تحقق لك هذه النقود؟

كنت أشعر بتعاسة كبيرة حين لا أجد شيئًا يفرحني.. وحين أدرك أن ما أريده غامض تمامًا كسحابة سديمية معتمة نشأت منها مجرتنا ذات يوم..

كنت أشعر بتعاسة شخص لا يدري فعلًا ما عمره.. لماذا لا تبهجه الأشياء التي تبهج أقرانه.. لماذا لا يكتفي بمغامرة الواقع البسيطة التي يخوضها كل صباح.. لماذا لا تشبع روحه بشيء..

ربما ليس غريبًا أن تعرف أن أكثر من حاصرني بهذه الأسئلة هو (أنا).. لكن الغريب حقًا هو أنني، بعد خمسة عشر عامًا من طرح هذا السؤال على نفسي كل يوم، أكتشف أنني لم أقدم إجابة عليه أبدًا سوى الكتابة.. كل يوم.. وبانتظام..   حين أصحو من النوم وأسأل نفسي: ها يا صديقي، ماذا تحب أن نفعل اليوم؟ أجد صديقي الذي في داخلي يجيب بحماسة غريبة: نكتب بالطبع يا صديقي..
لم أخبركم.. أنا مريض فصام – بعيدًا عن السامعين – يتخيل أشياء ويفعلها، ويعيش حياة كاملة على الورق، ثم يصحو من غيبوبة الكتابة ناسيًا كل الأحلام التي تخيلها أثناءها..
الكتابة لدي هي فعل حتمي يقوم به شخص داخلي يتصرف ضد إرادتي.. الكتابة حلم طويل؛ أجدني مجبرًا على الخضوع لسلطانه أثناء غفوة قصيرة تأخذني لعالم آخر؛ أهدأ كثيرًا وأجمل..
هذه قد لا تبدو دوافع كافية لجعل رجل يتحول من الحياة كـ “رجل عادي” إلى الحياة الشاقة والمؤلمة ككاتب؛ عليه أن يصحو كل يوم بحلم جميل يكتبه؛ بديلًا للانتحار.. لكن يا أصدقائي هل هناك دافع أكبر وأهم من دفاع المرء عن حياته ومقاومة هذا الألم؟
فإذا أردت حقًا أن تسألني: لماذا تكتب؟ فإنني لا أعرف كيف أجيبك.. صدقني لا أعرف..
ربما لأعوض خيبات متكررة في مجاراة الواقع بانتصارات – ولو زائفة – في عوالم الكتابة.. ربما.. لكنها ليست إجابة يقينية أستطيع أن أحلف عليها بشيء ذي قيمة.. لأن بعد خمسة عشر عامًا من الكتابة بانتظام، صارت الكتابة روتينًا، لا يمكنني عزل دوافعه عن العادة المملة للحياة..

ربما لأنقذ العالم أكتب.. ربما لأنقذ روحي من عدم محيط.. ربما لشيء مقدس تمامًا.. وربما لدافع تافه جدًا.. ربما لأنني لا أعرف ماذا أفعل غير هذا.. ربما..

كلها احتمالات واردة وصحيحة بشكل أو بآخر.. إلا أنني أعرف تمامًا أنه ليس المهم معرفة السبب.. الأمر المهم هنا هو أنني أستطيع المضي قدمًا في الحياة بالكتابة، بينما لا أستطيع ذلك بفعل أي شيء آخر.

 

 

 

يحيى موسى

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى