مقالات

نضال ممدوح تكتب عن الرواية الفائزة بكتارا:”أداجيو” .. رواية تنتصر للحياة

كتبت: نضال ممدوح

نضال ممدوح
نضال ممدوح

 

 

 

في المشهد الأخير من روايته الأحدث “أداجيو”يصرخ الروائي إبراهيم عبد المجيد هامسا بحب الحياة التي دوما تستمر وتنتصر إرادتها علي الموت ٬ في ذاك المشد شديد الدلالة في الربط  بين لحن الموسيقار الفينيسى “توماس ألبينونى”أداجيو٬ ذاك اللحن المشحون بالشجن الذي يترك وسمه في الروح فيتركها تحلق في جمال الحياة وينتصر لها وليس ذاك الحزن المحطم الأرواح ٬ وربما هذا الشجن المنتصر لأرادة الحياة حتي بعد الإختفاء من بين ثناياها يفسر تلك الوصية التي أوصت بها الفنانة الجميلة “الشحرورة”بأن تكون مراسم تشييعها علي أنغام الموسيقي ورقصة الدبكة المفعمة بالشغف والعنفوان ٬سامر يختار هو الآخر أن تكون  الموسيقي والفن مراسم وداع أخير لزوجته عازفة البيانو “ريم”٬ براعة رسم المشهد تترك لدي المتلقي حالة من خفة الروح فتحلق وهي تستقبل دفقات النور التي تنساب من بين أصابع عازفين الفرقة الموسيقية وهم يودعون زميلة رحلة الفن والموسيقي والجمال .

تتناول أحداث الرواية قصة الحب بين رجل الأعمال وصانع الأثاث الشرقي

أداجيو
أداجيو

وتاجر التحف”سامر” وزوجته “ريم” أهمّ عازفة بيانو في الفرقة السيمفونيّة الوطنيّة٬ يقرر نقلها إلى الفيلا الخاصّة بهما في منطقة العجمي على أطراف الاسكندرية بعد أن يئس من الأطباء والعلاج، وأن يقوم وحده على تمريضها وخدمتها وهى فى غيبوبة متحدياً المرض والموت٬ فيكونان معاً لا ثالث لهما، بعدما ودّع ابنتهما الوحيدة نور لتتابع دراستها في أوروبا وبذلك تخلّص منها، وتفرّغ لأحزانه وذكرياته.

وفي هذا الجو يستدعي السارد الكثير من المفردات التي صنعت عالم الزوجين وحسهما المشترك بالعالم الذي أحاط بتجربة عشقهما وان كان بحس صوفي شديد الرهافة .

وفي سرد متوازي نري نفس مأساة صراع المرض اللعين وهو يتغول ناشبا مخالبه في أجساد المصريين ٬ من خلال “عثمان” سائق سيارة الأجرة والذي تعقد بينه وبين سامر أواصر المودة والمحبة ٬ عثمان فارقته زوجه علي أثر إصابتها بالسرطان ٬ يحاول عثمان بشتي الطرق التخفيف عن سامر من وطأة أحزانه فيخرجان للصيد ويلازمه في مشاويره لقضاء حوائجه ٬ بل ووصلت المشابه بين حزني الرجلين في ذلك الطائر الذي يتزامن ظهوره مع الموت ٬ فكما حكي عثمان عن “الهدهد” الذي رأه قبيل وفاة زوجته ٬ يحلق مرة أخري في أرجاء فيلا سامر معلنا بداية النهاية لزوجته ريم .

حتي عندما يترك سامر قدميه للخروج تقوده المصادفة القدرية فيجد نفسه أمام “زهرة”إبنة طباخته السابقة”علياء” يزورهم ليتصادم مرة ثالثة بالمرض :”أبوزهرة  تعيش إنت، مات بسبب السرطان، لا حل مع هذا المرض يا سامر بيه، المهم أن تتماسك حضرتك من أجل ابنتك نور، وترمى حمولتك على الله ٬سكتت وسكت، هل جاء ليكتشف موت زوجها، السائق عثمان، أيضاً ماتت زوجته، وحين اتصلت بالجناينى وجدته قد مات أيضاً، لقد اقترب كثيراً من الموت فى رحلته لعلاج ريم، لكن الموت لايزال يحاصره.”

الموت والمرض لم يقتصرا علي البشر من خلال تلك الشخصيات التي أحاطت بسامر فهناك موجودات أخري أبت إلا الرحيل مع رحيل من كانت تعتني بها وتحوطها بالحب ولو بإصرارها علي طلاء سور الفيلا بتلك الألوان النوبية المفعمة بالحيوية وألق الحياة ٬ ورغم محاولاته المستميتة إلا أن المياه الجوفية تتسرب المرة تلو الأخري إلى أرضية الفيلا وتشقق جدرانها، يضطر سامر إلى تغيير الباركيه وتعلية الأرض وإلغاء درجات من السلم أكثر من مرة لكنها تبوء بالفشل مرار٬ وهنا يواجهنا “إبراهيم عبد المجيد”بالقبح والفساد الذي زحف وأستشري في الأسكندرية تلك المدينة الكوزموبوليتانية وما شهدته في تاريخها القديم والحديث من  وجود تعايش سلمى بين ثقافات متعددة والتجاور بين آلاف البشر من قاطنيها باختلاف ألوانهم وعقائدهم وجنسياتهم ٬ لكنها تتعرض للنكسة والإضمحلال وتتدهور أوضاعها نتيجة للارتفاع العشوائى للعمارات الشاهقة التى أقيمت بها، مما ينتهى بالقضاء على طابعها، وهجرة سكان الفلل يجعل من المكان كياناً موازياً للإنسان الذى يتحلل بدوره ولا تجدى معه أى عناية فائقة أو محاولات للإصلاح والترميم .

“إداجيو”شجوية عذبة تنتصر للحياة وقيم الفن والجمال ٬ معزوفة تقاوم القبح وتعلي من قيم الإبداع والموسيقي التي كانت سفير إنساني رفيع المستوي من خلال أنامل “ريم” وهي تشارك أهالي مدينة “لا روشيل” الفرنسية العزف فتختطف الآذان وتبهر الأنفاس بعذوبة فنها تنقل صورة حضارية تهدم تلك الأسطورة عن العربي المتخلف الذي يعيش في الصحراء أو تسبح علي ضفاف نيله التماسيح ٬ فعندما تعزف ريم لحنا ل فريدريك شوبان تتفجر الصيحات مرددة “كلمة إيجيبسيين … كان بين الواقفين صحفي أرسل صورتها إلي جريدة sud la qauie جريدة إقليمية لكنها عظيمة التوزيع وربما تكون الثالثة في التوزيع في فرنسا ٬ هكذا كلما دخلت محلا تشتري شيئا يتعرفون عليها ” للحد الذي يصل بصاحب مقهي فرنسي رأي صورتها في الجريدة أن يدير لها خصيصا أغنية من أغنيات عبد الحليم حافظ كنوع من الترحيب حينما زارت المقهي كما تمني .

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

زر الذهاب إلى الأعلى