التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

تاسوعات أفلوطين

كتب: منتصر أمين

منتصر أمين

 

 

 

 

قد يكون عنوان المقال غريبًا صادمًا لعين القارئ للوهلة الأولى.. لكنه مع إستمراره في القراءة وإبحاره بين الحروف بعين البصيرة سيجد العلة حتمًا وراء الكتابة حول هذا الموضوع.. سيجد القارئ العلة كون كتابات الرجل كان لها أثر بالغ نُقش في عمق ووجدان ثقافتنا.. بل كانت كتاباته مصدر إلهام على مر العصور للكثير من أصحاب الديانات الرسالية الثلاث هذا بخلاف الصوفيين..

بدايةً لم يعرف العرب قديماً أفلوطين باسمه الصريح “أفلوطين” أو “أفلوطينيس”، لكن عرفوه بكُنية “الشيخ اليوناني”.. وكان أول من تنبه إلى أن هذه الكُنْية يُقْصَد بها “أفلوطين” هو “هار بريكر” في تعليقاته على ترجمته الألمانية لكتاب (الملل والنحل) للشهرستاني، كما ذكر “الأستاذ/عبدالرحمن بدوي” في كتابه (أفلوطين عند العرب)..

وعند تجميع المعلومات عن “أفلوطين” في محاولة لسبر أغواره وبيان أفكاره، وجدنا أن كافة المعلومات المتاحة عنه قد توفرت عن طريق تلميذه “فرفوريوس الصوري” الذي دَوَّنها في مقدمة المُؤَلَّف الشهير (التاسوعات لأفلوطين).. ومما ذكره نعرف أن “أفلوطين” قد عاش في الفترة من 205 ميلادية وحتى 270 ميلادية..

ويطلق على هذه الفترة مرحلة الذبول والانحطاط الفكري أو الفترة المظلمة.. فقد سادت الانقلابات العسكرية والسياسية في القرن الثالث الميلادي الدولة الرومانية بسبب تدخلات الجيش في الحكم وتغير الأباطرة مرة تلو الأخرى، الأمر الذي ترك خيبة وأثراً سيئاً على الجنود الموجودين في الخطوط الأمامية في المعارك.. فمن جهة الشمال كانت هجمات قبائل الألمان (البربر)، ومن الشرق كان الصراع الدامي مستمر مع الفرس، ومن الداخل كان مرض الطاعون يفترس ثلث سكان الامبراطورية.. هذا بالإضافة الى فرض ضرائب كبيرة مما أدى إلى إنتشار الفقر، أضطر سكان المدن الكبرى إلى النزوح للريف هرباً من سدادها، فأثر ذلك سلباً على المراكز الثقافية الكبيرة.. كذلك كان هذا العصر هو عصر إنهيار الديانات الوثنية أمام الديانة المسيحية..

دارت خلافات كثيرة حول أصل “أفلوطين”، هل هو يوناني أم مصري سكندري؟.. على كل الأحوال فنحن نميل إلى رأي “الدكتور/يوسف زيدان” الذي أورده في كتابه (دوامات التدين)، حيث يرى أن “أفلوطين” وُلد بمدينة ليكوبوليس (مدينة المنيا الحالية) الواقعة بالقرب من مدينة أخميم بصعيد مصر..

ويمكن تقسيم حياة “أفلوطين” إلى ثلاث مراحل كان لها أبلغ الأثر في فلسفته.. مرحلة مصرية صعيدية وهي تلك المرتبطة بالميلاد والنشأة.. ومرحلة سكندرية، وهي التي تتلمذ فيها وصاحب مرشده “أمونيوس ساكاس”.. ومرحلة أخيرة رومانية ارتبطت بتأسيسه لمدرسته في (روما) والصورة النهائية التي اتخذتها فلسفته ومؤلفه (التاسوعات)..

مرحلة الميلاد والنشأة:

لا نعرف الكثير عن نشأته وحياته بصعيد مصر قبل إنتقاله إلى مدينة الإسكندرية.. حادث وحيد يقصه علينا “فرفوريوس” أنه حتى سن الثامنة (بداية ذهابه للتعلم) كان يكشف عن صدر مرضعته ويرضع من ثديها.. وعندما قيل له أن هذا فعل سئ، خجل خجلاً شديداً، ورجع عن هذا الفعل رجوعاً نهائياً.. والمعروف أن الفطام المفاجئ والمتأخر حتى هذه السن قد يؤدي إلى نوع من العصاب، لا يصعب إيجاد القرائن عليه في حياة “أفلوطين” أو في تاسوعاته.. منها عدم إشارته على الإطلاق إلى أهله وذويه، ومنها تركه المفاجئ لمدينة الإسكندرية، وقيامه برحلة إلى آسيا الصغرى كان من الممكن أن يموت أثناءها، ومنها إلحاحه المستمر في ضرورة الهروب من العالم، ومنها أخيرا إهماله البالغ لعلاج جسمه من الأمراض..

مرحلة الأسكندرية و”أمونيوس ساكاس”:

تميل أغلب الروايات و المصادر إلى أن “أفلوطين” قد بقي في مسقط رأسه حتى أتم العشرين من عمره ثم ارتحل فجأة إلى الأسكندرية باحثاً عن العلم والمعرفة.. وبعد تفحصه لأفكار المعلمين وحضور دروسهم لم يجد ما يرضيه أو يروي ظمأه للمعرفة والفلسفة.. حتى أن إلتقى عن طريق صديق له بـ “أمونيوس ساكاس” أو “أمونيوس السقاء”.. ما أن أنهى الأخير درسه حتى صاح “أفلوطين” قائلاً “هذا هو الرجل الذي كنت أبحث عنه”.. وترجع أهمية “أمونيوس ساكاس” السكندري إلى أنه قد طور فلسفة “أفلاطون” ومنحها شكلاً جديداً.. فبعد أن أصبح “أفلوطين” تلميذاً له ولازمه مدة 11 سنة نهل فيها على يديه فلسفة “أفلاطون” اليونانية المُحملة بأفكار مصرية خالصة، عكف “أفلوطين” باقي حياته على تطوير هذه الفلسفة حتى تطورت لما يُسمى بـ (الأفلاطونية المحدثة)..

ثم قرر بعدها ترك الأسكندرية والسفر إلى الشرق لتعلم الفلسفات الشرقية كالفارسية والهندية حتى استقر في روما وافتتح فيها مدرسته الخاصة..

مرحلة تأسيس مدرسته في (روما):

عندما وصل إلى روما أسس مدرسة خاصة لنفسه، كان عمره حوالي أربعين سنة في ذلك الحين.. قضي بقية حياته معلما ومرشداً، احتوت مدرسته على الكثير من الطلاب من شتى الشعوب ومختلف الطبقات والمهن.. لم يكتب “أفلوطين” أي شيء خلال فترة احدى عشرة سنة الأولى من حياته في روما، فلم يبدأ في الكتابة إلا عند بلوغه الواحد والخمسون من عمره.. تعليم “أفلوطين” كان أقرب إلى التقشف والزهد والإبتعاد عن السياسة، ساعده ذلك على التوصل إلى أن شفاء النفس يكون عن طريق التخلص من الرغبات الأرضية وإماتة الشهوات والغرائز.. فعاش حياة زاهدة قاسية في وسط مظاهر الترف المنتشر في (روما) حينها..

التاسوعات:

كانت فلسفة “أفلوطين” مثل سائر الفلسفات القديمة فلسفة محكية، أي عبارة عن مناقشات كانت تدور بينه وبين تلامذته في مدرسته الخاصة، حتى قام تلميذه “فرفوريوس” بجمع ما كتبه في مؤلف عرف بـ (التاسوعات).. فـ (التاسوعات) ماهي إلا تدوين للمناقشات الحية التي كانت تجري في مدرسة “أفلوطين” بطريقة أقرب إلى الاختزال..

يضم هذا المؤلف أربع وخمسون رسالة موزعة على ست مجموعات، كل مجموعة تتكون من تسعة رسائل.. تتناول التاسوعة الأولى البحث عن الإنسان والأخلاق.. التاسوعة الثانية والثالثة تتعلق بالعالم المحسوس والعناية الإلهية.. في حين تبحث باقي التاسوعات عن النفس،العقل والواحد أي الخير..

وكما يرى “الدكتور/يوسف زيدان” فإن فلسفة “أفلوطين” تقوم على إفتراض أن العالمين الأعلى والأدنى (المثل والمحسوسات) بينهما صلة هى نفس الإنسان.. والفلسفة هى الطريق الذى نستطيع من خلاله التعرف إلى الحقائق العلوية، بنوع من المكاشفة الصوفية التى يمكن أن تتم إذا ارتقى الشخص عن مطالبه ورغباته الحسية، وتخفَّف من قيود البدن ومن النوازع الطبيعية، فتنطلق روحه فى الآفاق العليا، حتى تحصل على المعرفة الحقة بالله..

فيقول “أفلوطين” متحدثاً عن النفس: “إن النفس البشرية التي جُعلت في الجسد هي عُرضة للشر والألم، وهي تعيش في الشقاء والخوف والشوق والشرور. والجسد لها بمثابة سجن ولحد، والعالم بمثابة كهف ومغارة”..

ويقول أيضاً: “فالنفس في طبيعتها نقية طاهرة، لكن اتصالها بالمادة يفقدها نقاوتها من دون أن يُدخل ذلك تغييراً في وجودها”..

كما يقول متحدثاً عن الإله: “هو هنا وهناك في كل مكان، فالطبيعة الإلهية غير متناهية، فلا حد لها، وهذا يعني أنها لا تغيب أبداً. وإن كانت لا تغيب فهي حاضرة في جميع الأشياء”..

#دمتم_مبدعين..

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى