التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

حريم القاهرة

كتب:طه عبد المنعم

طه عبد المنعم
طه عبد المنعم

 

 

 

 

 

 

تتحدث رواية الحريم لحمدى الجزار الصادرة عن دار صفصافة عن النساء. ولكن كيف يكشف عالم النساء عوالم أخرى موازية وتضرب عميقا داخل التربة المصرية؟ ما السلوك والحياة الذى يطبع النساء وفقاً لثقافة مجتمع مصرى فى أقدم مناطق القاهرة؟ رواية الحريمبكافة ما يعنيه ذلك من ثقافة مجتمع، يعيش فى شوارع وحارات القاهرة القديمة، به كم هائل من تراكمات العادات والتقاليد والأمثال الشعبيّة والملابس. القاهرة القديمة هى التى تصنع من عالم النساء عوالم للحريم وهو ما يكشفة لنا حمدى الجزار فى روايتة الثالثة الفائزة بجائزة معرض الكتاب لهذا العام.

استعير ترجمة د.سامية محرز فى كتابها أطلس القاهرة الادبى لفقرة من كتاب لفرانكو موريتى[1] :” ليست الجغرافيا وعاءً خاملاً، ليس علبةً يجرى فيها التاريخ الثقافى، بل قوة فاعلة، تشيع فى الحقل الأدبى وتشكل عمقة. ولذلك فإن إظهار الصلة بين الجغرافيا والأدب … لابد أن يتيحا لنا رؤية بعض العلاقات الهامة التى كانت قد فاتتنا الى الأن”. فالجغرافيا الأدبية يمكنها أن تغير الطريقة التى نقرأ بها الروايات.

تستطيع أن ترى جغرافيا المكان الفريد فى قلب القاهرة القديمة، فنعرف أن المسافة (والوقت) التى تقطعها “روحية” أسبوعيا لتوزع الفول النابت فى العيش الساخن على مريدى ستنا سكينة هى عندما يتداخل، عبر الميكروفون، صوت الشيخ عبد النبى يتلو قرآن الجمعة ف جامع السيدة سكينة مع تلاوة الشيخ أبى عريفة لسورة “الكهف” فى جامع طولون.

على الجانب الآخر نعرف عن رانيا أول زميلة فى الجامعة أنها ((غريبة عن المكان)) وإن الراوى لم يستطع تخمين هويتها ترد له خدمات الدراسة بعشاء فاخر فى الفندق الشهير الذى تعمل به. يفقد الراوى بوصلتة الجغرافية مع نساء العالم الجديد بالقاهرة والتى كانت تميز بورتريهاتة عن نساء طولون.

شوارع وحوارى وعطوف طولون، بمسجدها صاحب المئذنة الفريدة وسلالمها الخارجية العالية التى تؤدى للسما، سيما وهبى خلف سبيل أم عباس، ساحة الدحضيرة خلف الجامع، مدرسة صرغتمش بشارع الخضيرى، تختلف نسائه عن نساء جاردن سيتى ومدينة نصر والأجنبيات ورفاق الجامعة. وراء كل إمرأة من نسوة القاهرة القديمة حكايات وتاريخ عكس نسوة القاهرة الجديدة اللاتى يظهرن بشكل فجائى وعابر فى حياة الراوى. القاهرة القديمة طبعت نسائها بطابع مميز جعلت حكايتهن أكثر جمالا من نساء القاهرة .

هل الزمن أم الجغرافيا فى القاهرة ما تؤثر على شخوص الرواية؟ حمدى الجزار أختار لكى يجاوب على هذا السؤال بيت أُنس، العمارة القديمة اللى لازقة فى سبيل أم عباس، بيت جميل وسكانه ناس أغنيا “من منظرة كده يعنى” له ضلفتان خشبيتان ضخمتان وفى غاية المتانة، باب له مائة سنة متين ومهيب، بيت من قلب القاهرة القديمة، بيت للمتعة يدخله كصبى نجار مع أبية ليصلحا بعض آثاثة ويلاحظ فيه الصبى المرح والضحك وأنس صاحبة الفرفشة والدلع الأنثوى والنساء التى لا تتكلم إلا بالقفشات. يدخلة مرة ثانية طالبا للمتعة مع صديقة بعد ما يقرب من عشر سنوات، فوجد البيت على حاله كما هو بنفس الأثاث الجميل، فقط صار قديما ومنطفئا، ولكنه لم يجد أنس ووجد بدلا منها القبح  وناس جالسين فى هدوء مريب، يحدقون فى الحوائط صامتين، لا تلتقى عيونهم ولا ألسنتهم، ومتعة قاتمة بدون مرح.

سيد ابن فرج النجار وبطة بنت مسعود الفران يحكى لنا عن نساء قابلهن فى طفولتة وصباة  فى منطقة طولون بالسيدة زينب حتى أصبح سيد فرج، مدرس الفلسلفة وطالب الماجستير تخرج فى جامعة القاهرة وقابل النساء فى جاردن سيتى ووسط البلد. القاهرة بمعنى من المعانى ليست الجغرافيا بالشوارع والاماكن وقربها وبعدها عن بعض، لكن بالعلاقات وحيوات الناس فيها، وليس أفضل من تمثيل تلك الحيوات سوى نساءها، فنستطيع أن نقرأ نساء طولون وأختلافهم عن نساء القاهرة بعوالمها المختلفة.

[1] كتاب  فرانكو موريتى هو أطلس الرواية الأوروبية 1800- 1900

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى