التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

صيّاد الملائكة: وديمومة المأساة

 كتب:أدهم العبودي

أدهم العبودي.
أدهم العبودي.

 

 

 

 

 

 

ينبغي الالتفات إلى مشروع الروائي “هدرا جرجس” بما يحمل من دلالات ومن صياغة -تبدو للوهلة الأولى تقليدية- لمجتمع الأقليّة المسيحي داخل القطر المصري، إنّما؛ ومع بعض القراءة المتأنيّة المحايدة، ومع القليل من تفكيك عالم رواياته، نجد أنّنا أمام صياغة مختلفة، وتشريح احترافي للإنسان على عمومه، ومأساة الإنسان الكبرى، وما يلاقيه هذا الإنسان في رحم تلك
الحياة البائسة.

في مشروع “هدرا جرجس” روايتان ومتتالية قصصية، روايته الأولى “مواقيت التعرّي” ظهرت في قائمة “البوكر” الطويلة في أولى دوراتها، ثم حصدت المركز الأول في جائزة “ساويرس” العام التالي، أصدر بعدها متتاليته التي حصلت على جائزة الدولة التشجيعية “بالضبط يشبه الصورة”، ثم أحدث رواياته “صيّاد الملائكة” التي صدرت عن دار “الربيع العربي” مطلع عام 2014.

في رواية “صيّاد الملائكة” يستكمل “هدرا جرجس” نبش الواقع الذي يعيشه المجتمع المصري؛ الصعيدي تحديدًا، بداية من الجذور التي رسّخت لمأساة تهميش الإنسان، وربما المسيحي كرمز، داخل هذه المجتمعات المغلقة، يستكمل مشروع إلقاء الضوء على معاناة المسيحيين في المجتمع الصعيدي، هو مشروع بدا لم يكتمل بعد بالنسبة للكاتب، لم يحِد عنه، ولم يتطرّق نحو مشروع آخر غيره. في “صيّاد الملائكة” بطل روايته “حنّا”؛ شاب في الخامسة والثلاثين، يعمل على أحد المراكب السياحية، لم يضلّله زيف المجتمع، ولا نظرة الآخر له كمسيحي، بل ظلّ يحمل تلك البراءة التي أصلّت لها سطور الرواية، يعيش وحيدًا في شقّته، ومن هنا بدأت مأساته، وتراكمت أحداثها وصولاً إلى النهاية التراجيدية، وهي جنون “حنّا” نفسه، وحرق الكنيسة.

صديقه “منصور” يتّفق مع إحدى العاهرات، منقّبة، وهو رمز داخل الرواية، رغم أنّ الرواية تتعامل مع الرمز نفس تعاملها مع الواقع؛ الإنسان في نهاية كلّ شيء، هو الذي يعني الكاتب، لا شيء غيره. لم يكن مكان غير شقّة “حنّا” الأعزب، تذهب العاهرة، وترفض أن يلمسها لا لشيء إلاّ أنّه مسيحي الديانة، ثم يفاجأ “حنّا” بثورة أمام باب شقّته؛ ثورة المسلمين، الرافضين أن يدنّس مسيحي حرمة مسلمة، ولو كانت عاهرة.

تتشابك خيوط الرواية، وتحيلنا –بتقنية “الفلاش باك”- إلى أرضية المجتمع وقاعه المسكوت عنه، “حنّا” الذي عانى من قهر الأقلية داخل مجتمعه، ونظرة الآخر –المسلم- له، على أنّه ضعيف، ومسالم، ولا يمكنه أن يردّ الإهانة بإهانة، حدّ أنّ أصحابه لم يكن ينادونه إلاّ “كُفتس”، ولم يكن يدري كيف يدرأ عنه تلك الإهانة!

هدرا جرجس
هدرا جرجس

أول كلمة في الرواية “صدفة”، وآخر كلمة “أحرقوا الكنيسة”، هذا الرابط لم يكن عشوائيًا، كأنّ الكاتب يود صراحة أن يبدي انطباعه عن مأساة المواطن المسيحي على أرض هذا الوطن، صدفة أحرقوا الكنيسة، كلّ ما يحدث وليد الصدفة، لم يخطّط له، ولم يرتّب، وليد نشأة أفكار وصفات مجتمعية وتراكمات، إلى أن بات –مع الوقت- ثقافة مجتمع صعيدي بائس لم يزل يرتع في متون الجهل والضلال، لا ذنب للإنسان، هو إثم نظام كامل رسّخ لثقافة الضدّ.

تدور أحداث الرواية في يوم واحد، تقنية القطع و”الفلاش باك” جاءتا متوافقتين مع السرد، اللغة منسابة وطيّعة، استطاع الكاتب أنّ يذلّلها لصالح العمل، كانت اللغة كنسيج واحد متكامل، لا يُمكنك أن تُنقِص حرفًا، أو تضع حرفًا، اختار الكاتب كلماته وانتقاها من معجم سلس سهل، لكنّه ممتنع إلاّ على من يكتب بوعي ودراية، استطاع أن يحبك الأحداث، ويضفّرها، ويصنع حالة مقروئية كما لو أنّك تشاهد الحدث حيّا متألّقًا بديعًا أمام عينيك، لم يكن ثمّة افتعال أو صناعة أزمة، اللّهم إلاّ في الجزء المتعلّق بالنهاية، تواتر الحدث وصعوده للذروة أحيانًا بدا متّسقًا للغاية مع طبيعة السرد، إن قُرأت الرواية بشكل متسرّع لبدا كذلك انّ الكاتب منحاز لطائفته، أو ديانته، غير أنّ الهمّ الأكبر داخل الرواية هو همّ الإنسان في المُطلق، أمّا المسيحي كدلالة أو رمز ذلك أنّ الكاتب نفسه مسيحي، ولن يُمكنه بحال أن يكتب عن مجتمع لم يعش فيه، إذًا كتب عمّن يمثّلهم ككاتب، وكان محقًّا في الكثير ممّا ذهبت إليه أحداث الرواية، تلك الأحداث التي نعايشها جميعًا، ونعاني منها جميعًا، لكنّنا لا نتفوّه، أو نحاول أنّ نفضّ ملابساتها، فقط نصمت، وكأنّ الصمت واجب مجتمعي، هب أنّ الكاتب تحيّز أو تعصّب في بعض! لا بأس، طالما أنّ ما يحدث داخل الرواية هو يحدث بالفعل منذ زمن، ولا يُمكننا إلاّ أن نغض الطرف عنه، وكون الكاتب تجرّأ واقتحم هذا العالم فهذا يُحسب له.

مشكلة الرواية تمثّلت في نهايتها، وهو ما لا يحدث في الواقع، كون بطله المسيحي تدروش وجنّ، لم تكن ملائمة لسير الأحداث، وإن ظلّت تلك وجهة نظر الكاتب، ربما لترسيخ فكرة ديمومة المأساة.

“هدرا جرجس” واحد من أهمّ من يكتبون الرواية في مصر الآن، مشروعه جدير بأن يحتفى به كما يليق.

 

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى