التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

لماذا نكتب؟

كتب: محمد فاروق الشاذلي

 

لأني كذوب … لقد أحببت الكذب منذ صغري، كنت استمتع بكذباتى مرة بعد مرة، قدت طائرة ذات يوم، قبضت على عصابة خطيرة وقتلت زعيمهم الشرير وحدي بكل شجاعة، سافرت لكل بقاع الأرض وامتهنت ما شئت كلما شئت، غامرت بكل خيال يمكن أن يولد بخيال طفل في سنواته العشر الأولى، حاول أبى أن يوقف هذا السيل المتدفق واللانهائيّ من الكذب، فلم يفلح، ما بين ترهيب وترغيب ونصح وكل ما يخطر على قلب بشر، والنتيجة؟ … مزيد من الكذب، فالحقيقة كان الأمر بالنسبة لى مزيدًا من المتعة، مزيدًا من الشجاعة، مزيدًا من السفر والمغامرة، مزيدًا من الانبهار بقدرات الخيال وإمكاناته، أما بالنسبة لأبي، مزيدًا من المعاناة، مزيدًا من الغضب.

ذات مساء صحبنى أبي إلى جوار النيل من نفس الطريق الذى كنا نسلكه صباحًا فى طريقنا للمدرسة حيث أكثر جمهور حكاياتى ومغامراتى، تحدث معي فى أمور عدة واستفاض، تعالت ضحكاتنا، ترقرقت عينه بالدمع حين حكى لى عن جدى الذى لم أره، تناثرت بيننا مشاعر لا تعد، كانت اللحظة الأولى لى فى الحياة التى اشعر فيها أنى كبرت بما يكفى كى أتحدث مع الكبار، وتغير بداخلى شيئا ما، لا تغيب هذه الليلة عن ذاكرتى أبدا ولن تفعل ما حييت، فى هذه الليلة توصل أبي إلى الحل السحرى، طلب منى أن أتوقف عن حكى كذباتى للآخرين وأن استبدل ذلك بكتابتها، نصحنى أن أكتب الكذبات التى تولد فى خيالى وأن أقدمها للناس فى شكل قصة أو (حدوتة)، بالطبع لم تؤت النصيحة أكلها إلا بعد حين، حينما منحنى ذلك فيما بعد الإعجاب بدلا من السخرية والاحتقار، بدأت حينها أفهم، كنا نلتقى – أبي وأنا – كل أسبوع ليراجع ما أكتب ويقدم لى نصيحة وراء أخرى، وبعد عام أو يزيد بضع شهور شفيت – إلا قليلًا – من إدمان الكذب، ظل هذا الإتفاق بيننا سرًا لم أعلنه إلا مطلع هذا العام فى مقدمة روايتى الأولى.

حينما بدأت نشر ما أكتب مستعينا بالمدونات بدأت الأسباب تتغير والمشاعر تتبدل وتتباين، بدأت اشعر بمسئولية، تنتابنى السعادة، تتلبسنى معاناة أبطالى، تتملكنى سعادتهم، أعانى مع بنات أفكارى آلام مخاض قصصى وحكاياتى، ثم بدأت مرحلة تشجيع القراء على الانتقال إلى أرض جديدة فى عالم الكتابة الساحر، فارتحلت من فضاء النشر الإلكترونى إلى أرض النشر الورقى.

تختلف نظرتى الآن للكتابة عما كنت أعتقده منذ سنوات، الآن أرى الكتابة (فعل تحريضى) هدفها الأول هو تحريض العقل على التفكير، فالعقل الذى لا يفكر ميت صاحبه، فضلنا الله عز وجل عن سائر خلقه بالعقل وحده فإن اهملته أهملت نعمة الله الكبرى، وإن تنازلت عنه لآخر يفكر عنك ويقرر عنك فإن هذا لعمرى سوء أدب مع الله سبحانه لأنك تنازلت بالكلية عن منحته الأعظم لك وكأنك ترفضها، الكتابة محرضة على المعرفة، محرضة على الاستمتاع الذهنى الذى أظنه من أعلى درجات المتعة، اصبحت الكتابة بالنسبة لي بوابة ضخمة على عالم كامل من إبداعي وحدى، عالم أصنعه كما أشاء، وأصنع فيه ما أشاء.

الآن أضاء المصباح فى عقلي.

هل تلوم صديقك على ما فعل؟ تعال واكتب هذا المشهد لكن من الجانب الآخر من النهر، قف مكانه، انظر بعينه، اكتب بقلمه، الآن تفهم لماذا فعل.

لقد أضاء مصباح كى أفهم الناس.

هل ترى الواقع متخبط ومجنون وغير منطقى؟ اجلس الآن واحضر ورقة وقلم، اصنع عالمك وصرفه كيف تشاء، انظر إلى ما فعلت ستجد أنك جعلت بعض أبطالك تحت رحمة التخبط والجنون واللامنطق.

لقد أضاء مصباح كى أفهم الحياة حولى.

يضيء المصباح الآن كى أرى، الكتابة تجعلنى أرى، تجعلنى أسمو، أفهم، اتحرر، لقد تحرر عقلى، انفتح ذهنى، فلتعبر معى البوابة الضخمة، تعالى، لا تخشى شيئًا، عالمنا يعرف فنون الانتقاء فإن كنت صالح له اسكنك، هل عبرت؟

لقد وقعت أسير السحر الذى وقعنا فيه قبلك وأنت الآن تفهم (لماذا نكتب؟).

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى