التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

لماذا نكتب؟

كتب:  محمد ممدوح عبد السلام

 

الكتابة تشبه الوحي الإلهي لشخص بعينه : بينما يعيش في هذا العالم كأي شخص عادي، تقوده ورقة ـ بالمصادفة ـ مهملة في زاوية مظلمة، أو هامش أبيض في  صفحة كتاب مدرسي إلي الكتابة. العزلة تبدأ من تلك اللحظة، الشعور بالاختلاف عن الآخرين، الإنصات لحفيف القلم علي جسد الأوراق البيضاء المستسلمة في صمت. البياض هنا مخادع كسراب بعيد في صحراء مهجورة : يتطلب قدرًا كبيرًا من التركيز وحسابًا جيدًا للخطوات. الرمال الناعمة كالأسطر السوداء، تستدرج الأقدام إلي متاهتها الخاصة، أتوقف بالقلم عند نقطة بعينها لا يستطيع تخطيها، حتي علي صفحة”الورد” التي أكتب عليها الآن، ثمّة ظلالاً للأسطر السوداء تعاكس أصابعي المحمومة. الورقة البيضاء ـ طبقاً لجودة المكتوب من عدمه ـ قد تشبه امرأة لا تتفاعل إيجابياً مع زوجها في الفراش، أو العكس : “زاوية الرؤية” “والطرح”هما ما يؤرقا كتّاب العالم. أتخيل الآن أنني أري سيدة تدفع باب مكتبة بهدوء وتسأل بالداخل عن قلم بعينه. السؤال : بعد ذهابي إلي البيت، كيف سأسرد تاريخ تلك السيدة الغامض من هذا المشهد؟. هنا نصل للجملة الأكثر أهمية، التي وردتْ في رواية عظيمة اسمها”الكتاب الأسود” للتركي”أورهان باموق”:”انظر لوجوه الناس فهذا موضوع”. الكتابة تعطي مشهداً تافهاً كهذا قدراً كبيراً من الأهمية: من السطر الأول الذي يشير إلي السيدة داخل المكتبة، يبدأ اللاوعي في استدعاء صفات لنساء أخريات يعرفهن المؤلف عن قرب، فعل استعارة أقرب إلي السرقة. نحن نسرق حيوات الآخرين علي الورق إلي درجة الامتصاص الكامل، لكن في المقابل نعطي لهذه الحيوات المتداخلة، بعداً أكثر عمقاً وأصالة من وجودها التافه، لنكتشف في نهاية الأمر أن السيدة التي دخلت إلي المكتبة أصبحتْ شيئاً آخر تماماً، ليس فيها من حيوات الآخرين المستعارة، إلاّ نسب ضئيلة جداً لا تكاد تُذكر، أتعرفون السبب : إنها عظمة النص المكتوب الذي يتكئ علي وحدة المصير الإنساني، والذي يخلق دون أن يدري شخصيات حقيقية لم يقابلها المؤلف من قبل، لكنها تصرخ ـ في أي مكان بالعالم ـ أن هذه حياتها. الهوامش البيضاء، حفيف القلم علي الورق الأبيض، الوجوه التي أحدّق فيها، هو ما قادني إلي الكتابة. فجأة ودون مقدمات ـ لم أكن قد قرأت حينها غير عودة الروح ـ بدأت في تدوين الحوارات التي تدور بيني وبين الأصدقاء، التفاصيل اليومية التي تحدث في البيت، قصص الجيران المأساوية ذات الطابع الاجتماعي. لقد وصل بي الشغف أحياناً إلي التلكأ أمام الأبواب والنوافذ لأتسمّع حكاية من هنا أو هناك، وبمجرد وصولي إلي البيت أدوّن الخطوط الرئيسية لما سمعت، وفي اليوم التالي تتحول إلي قصة ليس فيها شئ من الخيال، بل عرض أمين لما سمعت، باستثناء تغيير أسماء الشخصيات. في تلك الفترة أنجزتُ ثلاث مجموعات قصصية، لا تزال عندي حتي اليوم. أقرأها من وقت لآخر وأضحك علي سذاجة الأسلوب التي كُتبتْ به. لم أسأل نفسي حينها : لماذا أكتب؟. لكن بعد خمسة عشر عاماً من تاريخ الحكايات الساذجة، توصّلتُ إلي الإجابة : أكتب لأنني أحب أن أظهر كالمؤلفين علي خلفية مكتباتهم الضخمة .. أكتب لأن حلم طفولتي أن أضيف إلي المكتبة كتباً، كتلك التي أستمتع بقراءتها .. أكتبُ لأن حلم أبي كان أن يصبح كاتباً( عرفتُ ذلك بعد رحيله من يومياته التي كان يدونها في أجندات سميكة جداً، وبعض مسوّدات لقصص لم تكتمل، ولم يُطلع عليها أحد) .. أكتبُ لأنني لا أجيد شيئاً في هذا العالم .. أكتب لأعطي حيوات الآخرين ـ مادة كتابتي ـ بعداً أكثر عمقاً وأصالة، بعيداً عن تفاهتها .. أكتب لأن الآباء الطيبون لا يقرأون ويكفيهم فخراً ـ وهم يشاهدون المسلسلات التركية ـ أن يشيروا لكتب أبناءهم في أعين الجيران .. أكتب لكي أفهم هذا العالم المعقد والبغيض .. أكتب لأنتقم من القبح .. أكتب لأنتقم بالخيال من الكتّاب المزيفين .. أكتب لأنني أحب أن يقول عني الناس”كاتب” .. أكتب لأستمتع بكوني غريباً في مجتمع يري الكتابة مضيعة للوقت .. أكتب لأنني أحب الصخب الصامت علي الورق .. أكتب لأنني أحب العزلة والبعد عن تفاهات الحياة الإجتماعية .. أكتب لكي أترك شيئاً ذاقيمة .. أكتب لأنني لا أري نفسي في أي شئ آخر .. أكتب لكي يقرأني الناس( لا يهمني عددهم) .. أكتب كي أحصل علي جوائز، وتظهر صوري في الصحف .. أكتب لكي تناقش كتبي في ندوات .. أكتب لكي يثني الجميع علي كتابتي .. أكتب لأنني أحب أن أكون مختلفاً عن الآخرين .. أكتب لكي أجعل العالم أكثر احتمالاً .. أكتب لأنني أحب المعاناة التي تتطلبها خلق الشخصيات علي الورق .. أكتب لأنني أحب أن أعيش دور الكاتب، حتي ولو لم يكن يطعم أصحابه .. أكتب لأنني أريد أن أضفي علي حياة السيدة التي دخلت إلي المكتبة معني .. أكتب لأن حصاد الكتابة : مجموعة قصصية أتمني أن تخرج للنور هذا العام، وأخري لا تزال قيد الكتابة.

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة