التخطي إلى شريط الأدوات
وشوشة

«مهر الصياح» مآسى الأفق المسدود والحكم الاستبدادى المطلق


كتبت: نضال ممدوح

نضال ممدوح
نضال ممدوح

 

 

 

 

 

 

استغرق الأمر اثنتي عشرة دقيقة مفخخة وسط ترقب المتجمعين وانتظارهم لذيل السلسلة في رده على ذلك الصياح الفخم. لم تكن المرة الأولى التي يمدح فيها “الرشيد” على هذا النحو، لكنها كانت المرة الأولى المغناة وذات الإيقاع الشجي وبذلك الصوت الإنسابي العريق. ثم جاء الرد أخيرًا، فقد تم تعيين السيدة “تمائم شريف”بنت شريف غاني المنحدرة من قبيلة “الغانيين” والمقيمة في حي ورى الشعبي، عضوًا في مجلس الجدات الذي كان واحدًا من أهم المجالس في أنسابة كان يضم جدات من صفوة المجتمع وبيوته العريقة، ترأسه “السحابة” جدة السلطان شخصيا، وكان مكلفًا بإجراء مراسم تتويج السلطان ومراسم دفنه، ومراسم تحميسه بالطبول والحناجر في وقت الحرب، وكانت ثمة تدقيقات صارمة تجرى عن كفاءة الجدة وسلامة سيرتها من خدوش الشائعات وقدرتها على شل الفوران لدى البنات عند ظهوره، وكان تعيين المغنية بهذه الصورة المتعجلة، استثناء صارخًا، لم يحدث قط في “أنسابة” وكان راتب الجدة العضو في ذلك المجلس، مجزيًا لدرجة أن تمائم المغنية لم تستطع التماسك..اتكأت على كتف ذيل السلسلة، واندلقت في بكاء رهيب.

وإلى ذلك المجلس أيضًا جاء “حنفي الساحوري”، تاجر القوافل الكبير، كان صعيديًا من جنوب مصر، تعرف على طريق “أنسابة” مهرمنذ سنوات بعيدة، وأنشأ تجارته التي كانت دورة هائلة من دماء السلع، تتغذى من البلاد وتغذيها، كان يتاجر في الذهب والفضة والعقيق، والدخن،والموالح، وحتى في الجواري والعبيد، يأتي بقافلة كل عام تكفي مؤونتها لإشباع جوع التجارة إلى أن يعود، وتربطه بالسلطان علاقة الوجاهة والثراء لكن مشاغله الكثيرة كانت تمنعه من حضور مجالس “الكوراك” ضيفا.

في ذلك المقتطف من روايته ذات  النَفَسٌ الملحمي “مهر الصياح”للكاتب السوداني “أمير تاج السر” أشبه بفولتات ذات شحنة كهربائية عالية ترج متلقيها تهزه بعنف٬ تصفعه بأسئلة طاردها الانسان عبر تاريخه مع السلطة والتي رغم إنها بحسب العقد الإجتماعي نتاج اتفاق عقدته الجماعة على تشكيل هذه الدولة التي ستدير حياتهم وتقدم لهم الخدمات وتفض النزاعات بينهم إلا أنها تتغول علي تلك الجماعة وتسيرها لخدمتها وسطوتها ومن خلال المزج الروائي بين  الواقع والخرافة والسحر، ليحكي تاج السر عن دور السلطة في دول العالم الثالث، والتأثير الذي تتركه في الفرد، حيث تلجأ معظم الأحيان إلى الحروب لتبرير اضطهادها له.

مهر الصياح رواية ملحمية إستلهمت جانب من تاريخ وتراث المكان في أقصى غرب السودان في القرن الثامن عشر الميلادي، ويستوحي تفاصيله وأساطيره، بلغة شعرية باذخة وسردية غنية بالدلالات والعواطف. كتبت عن سيرة القهر والإذلال في كل زمان ومكان، هي رواية تاريخية متخيلة عن سلطنة اسمها” أنسابة” عن سيرة ابن صانع الطبول الفقير آدم نظر، حين حلم بالسلطة ونادى بها، وخاض في الوحل بعد ذلك .

تبدأ الرواية من “آدم نظر” ابن “نظر حبايب” صانع الطبول  وهو يسير صحبة والده  في شوارع “جوا جوا” قاصدين مجلس الكوراك الأسبوعي حيث كان السلطان “رغد الرشيد” يعقده ليستمع الى شكاوى أو طلبات رعيته، وكان لأبيه مطلب واحد هو السماح له بالحج ضمن القوافل السلطانية، لكن الأب ممنوع من العطف السلطاني هذا بسبب الفتق الذي يلازمه، لقد حرم السلطان الراغبين بالسفر ممن يعانون بعض الأمراض والعاهات، ومنهم العور والطرشان والمفتوقون وحاملو ميكروب الطاعون اللساني٬ وفيما ينسج تاج السر أركان “أنسابة”تلك السلطنة المتسامحة الزاخرة بالتنوع الثقافي والديني الذي يجعل الحياة أكثر انفتاحاً وبعيدة عن الانغلاق، فقد اجتمعت فيها مختلف الأجناس والأديان في جو حميمي خالي من أي تعصب٬ فبين حناياها يعيش “حنفي الساحوري”المصري النازح من أقاصي صعيدي مصر جنبا إلي جنب مع “عباد عبد الرب”اليمني  الذي استوطن أنسابة وتزوج منها وأفتتح مدرسة ظلت مركزاً ثقافياً مهماً لأهالي أنسابة وظل هذا الرجل موضع احترام، إلا أن الحسد الذي استوطن في قلوب من صرفوا من خدمة السلطان دفعهم لعمل مكيدة ضده وفي لغة شعرية تصالحت مع السرد يكتب تاج السر: “وضعوه في ذاكرة الغل الواسعة وابتدأوا يخيطون ثوب الفضيحة الذي سيرتديه يوماً ، وصفوه بالمجنون، وحامل الجرب والوسواسي، ومروج الأفك، وسلطوا عليه امرأة أسمها النعيمة كانت معروفة بالتسلل الى عواطف المراهقين في (أنسابة)” تفتري هذه المرأة على عبد الرب أمام الناس وفي حضرة السلطان فتصف كيف تحرش بها، وهكذا يفقد هذا الشيخ كل تاريخه ومجده الشخصي الذي بناه بسنوات من الكد والعرق في لحظة واحدة حين يقع ضحية لنميمة ” لسعه السلطان في نظرة مرة ناده باليماني ملغياً ألقاب العالم والشيخ والفقيه، والنحوي، ووالد الصبيان وعدداً آخر من الألقاب التي جاءت معه أو اكتسبها أثناء وجوده” وهكذا فإذا أقبلت الدنيا على أحد منحته محاسن غيره وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه، يأمر رغد الرشيد بجلده ثلاثين جلدة فتقوم كتيبة الرعاع بتنفيذ الحكم في ساحة جواجوا، لم يستعد عبد الرب لقبه إلا حين تواجد في عزاء وفاة نظر الحبايب ٬ وعادةً يُعقد مجلس الكوراك في قصر من قصور السلطان، وكما يصفه لنا أمير تاج السر هو “بناء من طين أحمر داكن على مساحة شاسعة من الأرض تتخللها الحدائق والنوافير، يتوسطه باب عريض من خشب المهوقني الفخم، وتتوزع على طول نسيجه نوافذ صغيرة تمتص الشمس أو ترضع الهواء أو تحمل نظرات معذبة من حريم القصر الى فضول الطريق” ويعد هذا القصر هو الأفخم والأكثر ثراءً في معماره من قصور السلطان المنتشرة في جوا جوا وضواحيها يأتي الناس من المدن جميعها عارضين على السلطان معاناتهم لعلهم يجدون الحل الأمثل لتلك المعاناة.

تتوالي الأحداث ويحل “آدم نظر” محل والده في البيت وهو يطلق صيحاته الهادرة وفي محله الذي أعاد فتحه بعدما هجر مدرسة “عبد الرب”وفي مشواره الإسبوعي لمجلس الكوراك لكنه يستبدل مطلب الحج الذي حلم به والده بطلب حقه في تقلد منصب “الأب الشيخ” وهو ما يعادل منصب أحد الوزير إلا أن طلبه يقابل بإلقاءه في السجن عقابا علي ما أقترفه من بذاءة خيال ولسان وتطاول علي المقامات في نظر السلطان والذي أوكل مهمة تنفيذ عقابه إلي ابنه “مساعد” فيرسله ليكون خصيا مع الخصيان الموكلة إليهم خدمة أسيادهم، ألا يذكرنا هذا الموقف بتصريح وزير العدل المصري عن رفضه أن يتقلد إبن عامل النظافة منصب القضاء ؟!٬ وهو ما يحيلنا بالضرورة إلي اختراع تاريخ مواز للحقيقي عبر أشخاص آخرين عاشوا في خيال المبدع وإضافة كثير من المتخيل الروائي إلى الحدث أو الشخصية أو المكان التاريخي مما يجعل “مهر الصياح” دراسة عميقة في آليات القهر عبر لغة شعرية واضحة وسرد يغوص في أعماق الذات الإنسانية إضافة إلى قدرة”تاج السر” على التنقل في الأساطير وقراءة التاريخ لإعادة صوغه في قالب إبداعي.

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى