التخطي إلى شريط الأدوات
قصةمشاركات أدبية

نبتة الصبّار

 

قصة: ياسمين حسن

 

كنت في الحانة، اعتدت كلما اشتدت ظلمة الصمت في عالمي الورقي أن أرتحل إلى حيث لا يعرفني أحد. نبتة الصبّار التي أعطيتها للنادل قبل عدة سنوات ما زالت بجوار باب الحانة قابعة بوفاء لا مثيل له، تنتظرني فأذهب إليها.. أعودها، أختبئ من نظراتها التي تَخِزُ روحي في ذراع أحدهم أثناء مغادرتي للحانة، أختبئ منها تحت ستار الليل والنبيذ القوي.

فرغت قنينة الشراب وسأقوم إلى البار لكي يفتح لي النادل قنينة أخرى، سأجده متكورا بقميصه الأبيض وبنطاله الجينز، يمسك بين يديه قنينة خضراء زهيدة الثمن يخرجها النادل للطلبة الفقراء أحيانا.. بينما بدت على ملامحه النضرة حيرة المنتظِر. حين دفعت بجسدي إلى كتفه شممت رائحة طهر غريبة عن تلك الحانة، النادل الذي اعتاد تلبية ندائي طوال ما مضى، لمعت بعينه غيرة جلية فتشاغل عنّا بسكارى آخرين متجاهلا نظراته المستغيثة..

تفوه بكلمات متلعثمة في محاولة لفهم ما يحدث، سيدهش حينما أمسك بيده وأصحبه إلى حيث لا أحد سوانا، غريبان لا يدريان بما سيقدمان على فعله، غريبان يمسك أحدهما بيد الآخر، سوف تدفئني أنامله الدقيقة، لن أستفهم عن عدد السنين التي قضاها تحت هذه السماء، ولكن سأسأله بغنج عما إذا ما كانت له تجربة نسائية كهذه أم لا، وسيحدثني عن مغامراته التي يقوم بها هناك في تلك الحانة التي التقينا بها، وسيخبرني بأن له صديقا يصحبه إلى هناك من حين لآخر.. لَكَم تمنيت التقاء هذا الصديق كي أشكره.

سنختتم صخب حفلنا الماجن بضحكات تتعانق كعناقنا، وسأنتبه إلى تلك النقوش في سقف الغرفة، سأحدثه عما تعنيه تلك النقوش لي، كم كانت موحشة حينما انتبهت إليها في ليلة وداع أمي، كنت ألمح من بين النقوش ثعابين تتراقص ناظرة إلي نظرات باردة وأسمع فحيحها الحاد بين حين وآخر، لم ينتهِ تراقصها إلا بصرخة أطلقها الموت في جوف أمي فلم تستطع إلا تلبية النداء وتركي..

ولكن ما لم أتوقعه هو أن ذلك الشاب الوسيم الذي تشبعت برائحته قبل قليل سيمسك دفة الحوار ثم يخبرني عن تلك الرواية التي كتبتها قبل سنوات، سيخبرني بصوت منهك أن النقوش ذاتها وصفت في مشهد رومانسي كتبته قبل سنوات، سيخبرني وهو لا يعلم أنني هي ذات الكاتبة التي يتحدث عنها بفخر، سينسى رغما عن عريه أنه مستلقٍ على فراش برفقة امرأة محتلة. سيموت الصوت في حلقي وأنا أتابع عينيه اللتين لمع فيهما حبه وتقديره لما أكتب، تُرى هل سينطفئ هذا النور في عينيه إذا ما علم أنني هي العظيمة التي يقتدي بها؟! ترى ماذا سأقول وبماذا ستدافع الكاتبة الكبيرة عن نفسها المخطئة أمام المعجب الصغير؟.. كيف ستتحدث عن الحرية وهي تشعر بالخزي أمامه؟

عبثا سأحاول مناقشته في مفهوم الحرية التي كثيرا ما ناديت بها خلال نزفي، وسيحدثني عن الحرية بمفهومها الثابت لديه، سأداعبه وأطرح افتراضا يحتوي موقفنا الغريب، وترتفع عقيرته وهو يبالغ في الدفاع عن عفّة كاتبته. تُرى إذا كانت الحرية هي أن تفعل ما تحب وإن كان خطأ فلماذا سأخجل من مواجهته في هذا الموقف؟ سيهمس وقد تنصل تماما من هذا الجسد النحيل ليخبرني أن الحرية لا تكمن في التصرف كالحيوانات بلا وازع ولا رادع وإنما الحرية أن يستطيع المرء كبح شهواته وهو القادر على إطلاق سراحها.. سأفكر كثيرا في كلماته البسيطة تلك وأبتسم للقدر الغريب الذي أرسله ليواجهني في هذه الليلة.

سأحتاج إلى صدفة أخرى غير هذه لكي أحقق له أمنيته بلقاء كاتبته المفضلة، وسأحتاج إلى عمر طويل كي أصلح ما لم أنتبه إلى فساده في روحي قبل لقائه، وسأحتاج إلى كثير من السرد لكي أقنعه إذا ما اكتشف حقيقة العاهرة التي أغوته أنها حالة خاصة لها دوافعها دون غيرها. سوف أرحل بهدوء وصمت وأحاول نسيان هذا الشاب الرقيق، ولكنني لن أنسى رعشة قلبي حينما همس باسما وهو يحدثني بشغف عني -أقصد عن الأديبة في خياله- أنني (كعاهرة) قد أشبه كاتبته من حيث الملامح التي توقع أن تكون لها. سأرحل وتبقى نبتة الصبّار وحدها ترمقه كلما جاء إلى الحانة يبحث عن تلك الغريبة التي منحته متعة حسية وفكرية دون أن يدري.

 

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اقرأ أيضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى