التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

إلى صديقتي السيدة راء: مازِلتِ هُنا لا تبرحين

نضال ممدوح
نضال ممدوح

 

 

 

 

 

مزج أول
ذات صباح صيفي وفتاة غرة تهرول إلى بائع الجرائد لتحظي بما تيسر لها من إصدرات كتب مكتبة الأسرة٬ لتكون نواة جديدة في جسرها نحو العالم وموجوداته٬ كانت “ثلاثية غرناطة” نصيبي ذاك اليوم البعيد٬ وأنا أبحر مع نسيج الدانتيلا الشجي القاسي فيما يسرده عن حكايات ناس الأندلس في أوجاعهم وإنكساراتهم وهم يقيمون شعائرهم الدينية سرًا٬ وهم يُجبرون قسرًا على ترك ديانتهم واعتناق أخرى٬ وهم ينعون أمجاد ملك ملأ السمع والبصر بفعل الخيانة والغدر والتواطؤ مع المستعمر على أُخوة الدم والرحم٬ تسقط الأندلس ولا يتحمل تبعة هذة السقطة سوى الإنسان البسيط العادي ملح الأرض٬ لم يبقى سوى ما نقشه نزار قباني في الوجدان العربي عن غرناطة وقصور الحمراء:
لم يبقَ في إسبانية
منّا، ومن عصورنا الثمانية
غيرُ الذي يبقى من الخمرِ،
بجوف الآنية..
وأعينٍ كبيرةٍ.. كبيرةٍ
مازال في سوادها ينامُ ليلُ البادية..
لم يبقَ من قرطبةٍ
سوى دموعُ المئذناتِ الباكية
سوى عبيرِ الورود، والنارنج والأضالية..
لم يبق من ولاّدةٍ ومن حكايا حُبها..
قافيةٌ ولا بقايا قافية..
لم يبقَ من غرناطةٍ
ومن بني الأحمر.. إلا ما يقول الراوية
وغيرُ “لا غــــالبَ إلا الله”
تلقاك في كلِّ زاوية..

وكانت “سليمة”حفيدة أبي جعفر تلك الأنثى المولعة بالقراءة والعلم خاصةً الفلسفة والصيدلة الشخصية الوحيدة التي حملتها داخل عقلي منذ ما يقارب ٢٠ عام ومازالت تدهشني ويضنيني التساؤل كيف كانت هناك إناث عشن قبل قرون يحملن شغف التمرد وطرح التساؤلات الكبرى٬ يرحلن وراء القيم الجمالية الحق والخير والعدل٬ يبتغين الحكمة وراء الموت والحياة٬ مازلت بعد أسأل نفسي أين هي اليوم تلك الصبية وإلى أين حملتها الأقدار وهل مازالت ترافقها “ظبيتها” صديقتها الوحيدة؟!

مزج ثان:

تلك الفتاة التي كنتها وقد صارت أمًا تدفع طفلها في عربته حيث تزاحم جسده الغض كنزها الثمين الغالي وقد نجحت في الظفر به من بين أكداس سور الأزبكية ولم يتبقى في جعبتها حتى جنيه ثمن تذكرة المترو٬ فتقرر السير من العتبة حتى بيتها في ميدان روكسي٬ وما أن تصل لعتبة بيتها حتى تتفقد هداياها التي إبتاعتها لنفسها٬ وتقع أول ما تقع يدها عليه “قطعة من أوروبا” والتي لاقت في نفسها ما لاقت من شغف النوستولجيا لتلك الأيام البعيدة٬ أيام الأبيض والأسود٬ تأخذني “السيدة راء” من يدي وتجوب بي شوارع وسط القاهرة في الخمسينيات٬ تشير على محلات اليهود الكبرى “صيدناوي”٬ “شيكوريل”٬ و”شملا”٬ مقاهيهم وأنديتهم٬ جروبي٬ الأمريكيين٬ وأكسلوسيور٬ وتهمس في أُذني عن رغبة الخديوي إسماعيل أن تكون القاهرة قطعة من أوروبا وكيف احتالت عليه شركات المرابين وتواطئت مع الأطماع الإستعمارية لدى كل من فرنسا وإنجلترا فأغرقته بالديون حتى احتلت مصر واستولت على قناة السويس٬ حكت لي عن عائلات موصيري وقطاوي٬ آل روتشيلد ومنشة٬ سوارس وعدس اليهودية٬ ولم تخفي إعجابها بعصامية “أحمد عبود باشا” أحد أعمدة الاقتصاد المصري في القرن العشرين٬ ولم يزل بعد يراودني الحنين لتلك الأيام التي عاشتها القاهرة كمدينة عالمية يفد إليها الجميع من كل حدب وصوب من الشرق والغرب٬ يقيمون فيها٬ يشتغلون بكد وجهد فيحصدون خيراتها التي لا تضن بها حتى على الغريب٬ لا تسأل القادم إليها عن دينه أو لونه أو جنسه٬ تلك الأجواء المنفتحة سمحت بأن يتجاور الأرمن مع الطليان بجانب اليهود واليونانيين والمغاربة والشوام.

مزج ثالث:

في مشهد نهار خارجي أستاذ الأدب الأنجليزي الخمسينية تنبض عروقها بجذوة الثورة٬ عنفوان غضبها ضد الطغيان يتفوق على مثيله لدى فتاة عشرينية وهي تهتف مع زملائها ضد حكم بإنشاء وحدات للأمن الجامعي تابعة لوزارة الداخلية داخل الجامعات وهو ما ينافي الدستور وقانون تنظيم الجامعات وتؤسس مع زملائها مجموعة ٩ مارس الداعية لإستقلال الجامعات.

مزج رابع:

يفزعني خبر إصابتها بالمرض اللعين ولا أصدقه٬ أهرع لمهاتفتها يرد “تميم”: “إنها بخير.. هي الآن تتلقى علاجها في الولايات المتحدة وستعود قريبًا”ولا تفلح كلماته التطمينية في وقف إنجراف دموعي لا إردايًا٬ وأظل أتابع أخبارها وأترك الرسائل على بريد تميم الإلكتروني لمزيد من محاولات الإطمئنان عليها حتى يبل ريقي ذات يوم ويزف إلي بشرى وصولها بتمام الصحة والعافية إلى بيتها في القاهرة.

مزج أخير:

ميدان التحرير ٢٠١٣ الثالث من يوليو٬ وسط الحشود المتزاحمة المتعانقة وهي تنتفض ملبية نداء القوات المسلحة لمنحها التفويض لمجابهة طيور الظلام٬ وفيضان فرح وبهجة تعم المصريين وميادينهم٬ أراها من البعيد ومسيرتي التي خضتها من ميدان العباسية تصل لمشارف ميدان التحرير٬ تقف وسط الإزدحام وذراعها تعانق ذراع رفيق رحلتها ودربها “مريد”٬ أرتمي في حضنها تتسرب إلي فرحتها المبتهجة بإنتصار الحياة وإرادة المصريين على صناع الظلام والموت.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة