التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

الطنطورية 

كتبت: ياسمين حسن

في الحقيقة لا أعرف ماذا أكتب؟ ما الذي يمكنك فعله أمام 60 عام مفصّلة أتتك في أبهى صورها على 460 ورقة؟! ما الذي يمكنك فعله أمام امرأة مدهشة تكتب لك وكأنها تريد حملك بين ذراعيها إلى ذلك المكان الذي تكتب عنه؟.. لا أدري هل أستطيع كتابة مقالة تليق بالطنطورية؟ هل يمكنني تلخيص مشاعري كاملة حيال رُقية وأبنائها الثلاثة وفتاتها الرائعة مريم؟ هل يمكن للمرء أن يدوّن حياته بهذه الطريقة المُدهشة؟

– صراحةً أنا في حيرة من أمري، ولكنني -سعيدة- سعيدة لكوني انتهيت من هذه التحفة الفنية مع نهاية 2014، وسأعتبر الطنطورية هي أقيم هدية أهدتها لي 2014.. مبدأيًا أتوجه برسالة امتنان لــ “أحمد عيد” لأنه هو صاحب الاقتراح، هو من حدثني عن رضوى عاشور، وهو من اقترح ان ابتدئ رحلتي معها بالطنطورية.. ممتنة لك يا أحمد..

أهم ما يمكنني قوله في هذا المقام أنني مع كل صفحة في الرواية كنت أرسل عبارة لوم كبيرة “لماذا لم تنتظريني يا رضوى؟ لماذا رحلتِ قبل أن أستطيع مقابلتك؟” والسؤال الأشد وقعًا على نفسي هو “لماذا يرحلون فور تعلقنا بهم؟” فمثلا لو لم أقرأ لها.. لما حزنت عندما صدمت بخبر وفاتها وربما ما كنت لاهتم أصلا بالخبر!! نعود للطنطورة رجاءً.

هل يجوز أن نتحدث عن إنسابية اللغة التي تملكها رضوى عاشور؟ أو نتأمل معًا طريقة السرد المفعمة بالحياة؟ هل يستطيع أي منا سرد مآسيه الخاصة وحكايات اغترابه بهذه الطريقة الرائعة؟ زرت من خلال الطنطورية ذلك البحر الذي رأت فيه خاطبها الأول، وجنوب لبنان وأبو ظبي والإسكندرية.. رقية تعشق البحر فتعلقت به من خلال كلماتها. رُقية الفتاة التي تفجع بمقتل أبيها والصادق وحسن، مرورًا بُرقية الزوجة، المغتربة، ورُقية الأم، أبنائها الثلاث صادق وحسن وعبد، صديقتها وصال، وأخيها عبد، والكثير من التفاصيل رأيتها بعيني، أشعر بفقدهم جميعا، حزنت في كل مرة حدثتني فيها رُقية عن اجتياح أو مجرزة أو مقتل أحدهم، فزعت لفزعها وأُصبت بالسعادة البالغة عندما فرحت رقية بزواج حسن، رقصتها التي انتهى في وصفها الكلام كانت تلامس روحي.. أعتذر لو كان المقال يحرق أحداث الرواية.. ولكن لا أستطيع منع الكلمات من أن تسترسل… لتصف حرفيًا ما أشعر به.

قد لا تكون الرواية الأفضل في نظر البعض، لكنني أرى أنها الرواية التي وصلت إلى حد لا بأس به من الكمال.. تقييم التفاصيل لا يمكن أن يكون أقل من 5 نجوم، تقييم اللغة، أخجل أنا كـ “ياسمين” من تقييم لغة رضوى عاشور التي أصبح حلم من أحلامي أن أرقى إليها.

تقييم العمل ككل، من لا يستطيع اعطائها 5 نجوم وهو مطمئن القلب؟!!

– انتهيت من الطنطورية وأنا يتملكني احساس الفقد، غربة جديدة أُضيفت إلى اغترابي، دفء عظيم كان يُحيطني على مدار شهرين من القراءة المتقطعة التي يتخللها قراءات أخرى، ولكن الآن انتهت الطنطورية، وغادرت رُقية، نامت لتستقيظ على أمل ولادة ناجي جديد، راقت لي النهاية البيضاء، ما وجدت بين صفحاتها شيء مزعج، وإنما وجدت إمرأة دافئة تضمني، تهمس بأذني تطمأنني وها هي تلم أغراضها ومتأهبة لرحيل جديد دون رحيل رضوى عاشور.. أنا آسفة لكل يوم مضى ولم أقرأ فيه لرضوى عاشور.. ويزيد أسفي كلما التقيت بمن لا يقرأ لها، أشفق عليه فقد فاته الكثير من الدفء والعبقرية والحنان والرقة والعذوبة ما لن يجده عند أي شخص آخر.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة