التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

رضوى عاشور .. افتحوا الأبواب لتدخل السيدة 

كتبت: رشا سنبل

 

رضوى عاشور.....هكذا رثاها زوجها الشاعر الفلسطيني الأصل مريد البرغوثي يوم رحيلها بعد صراع مع مرض السرطان لمدة 35 عاما، أديبة مصرية وأستاذة جامعية ومناضلة سياسية وناقدة للأدب، تميز مشروعها الأدبي في شقه الإبداعي، بتيمات التحرر الوطني والإنساني، إضافة للرواية التاريخية، تراوحت أعمالها النقدية المنشورة بالعربية والإنجليزية، بين الإنتاج النظري والأعمال المرتبطة بتجارب أدبية معينة، تمت ترجمة بعض أعمالها الإبداعية إلى الإنجليزية والإسبانية والإيطالية والإندونيسية.

المرة الأولى التي عرفت منها كتابات رضوى عاشور من خلال أحد الأصدقاء، وأول ما قرأت لها كانت ثلاثية غرناطة، غصت في روايتها، عرفت معها كيف يكون الإبداع، الفهم الكامل لما يدور حولنا في إطار رواية تتكلم عن تاريخ مضى يتلاحم معنا حتى اليوم، يدق أبوابنا كل ليلة ليقض مضاجعنا، ولا نستطع فهمه إلا من خلال إبداعات مثل روايات رضوى عاشور، ثم تتالت معرفتي بكتاباتها، قالت رضوى في رواية فرج:    (عادة ما أشعر أنى خفيفة قادرة على أن أطير وأنا مستقرة فى مقعد أقرأ رواية ممتعة. حين أشعر بنفسى ثقيلة أعرف أنى على مشارف نوبة جديدة من الاكتئاب) كأنها شقت عن ما بداخلي وكتبته في أسطرها الرائعة، وكذلك عرفت جزءا من نفسي من خلال سطورها الكاشفة.

وُلدت رضوى عاشور في القاهرة، درست اللغة الإنجليزية في كلية الآداب بجامعة القاهرة، وبعد حصولها على شهادة الماجستير في الأدب المقارن، من نفس الجامعة، انتقلت إلى الولايات المتحدة حيث نالت شهادة الدكتوراه من جامعة ماساتشوستس، بأطروحة حول الأدب الإفريقي الأمريكي.

في 1977، نشرت رضوى عاشور أول أعمالها النقدية، الطريق إلى الخيمة الأخرى، حول التجربة الأدبية لغسان كنفاني. وفي 1978، صدر لها بالإنجليزية كتاب جبران وبليك، وهي الدراسة نقدية، التي شكلت أطروحتها لنيل شهادة الماجستير سنة 1972.

شاركت مع الدكتورة لطيفة الزيات في تأسيس لجنة الدفاع عن الثقافة القومية، التي لعبت دورا مهما في صد الهجوم على الثقافة الوطنية بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد، دفعت ثمنا لذلك بإبعاد زوجها عن مصر 1979، مما أدى لتشتيت أسرتها.

1980، صدر لها آخر عمل نقدي حول التجارب الأدبية لغرب إفريقيا، وذلك  قبل أن تدخل إلى عالم الرواية والقصة..  أول تجاربها أيام طالبة مصرية في أمريكا 1983 ( وبلا نية مسبقة رحت أحدث مايكل عن عن شخص عبد الناصر، وحرب الأيام الستة، ومقاطعة أهلي لزواجي على غير إرادتهم، واعتصامات الطلاب، وذلك الغزل الفريد الذي يغنيه الشيخ إمام للأسكندرية والذي يؤنسني ترديد بيتين بالذات منه “كأني جوا المظاهرة طالب/ هتف بإسمك ومات معيد!”. لا بد وأنني تحدثت طويلاً وإلا فكيف استطعت أن أقول كل الذي قلت عن أوجاع الجيل الذي اندفع من الأناشيد الحماسية إلى أتون الأيام الستة والمذابح والرماد؟) من رواية أيام طالبة مصرية في أمريكا.

أتبعت روايتها الأولى بإصدار ثلاث روايات (حجر دافئ، خديجة وسوسن وسراج) ومجموعة قصصية رأيت النخل سنة 1989 ثم توجت هذه المرحلة بإصدار لروايتها التاريخية ثلاثية غرناطة سنة 1994، والتي حازت بفضلها جائزة أفضل كتاب لسنة 1994 على هامش معرض القاهرة الدولي للكتاب. (في وحشة سجنك ترى أحبابك أكثر، لأن في الوقت متسعًا، ولأنهم يأتونك حدبًا عليك في محنتك، ويتركون لك أن تتملى وجوههم ما شئت وإن طال تأملك) من رواية ثلاثية غرناطة

عملت كرئيسة لقسم اللغة الإنجليزية وآدابها بكلية الآداب بجامعة عين شمس 1990 و1993، وزاولت وظيفة التدريس الجامعي والإشراف على الأبحاث والأطروحات المرتبطة بدرجتي الدكتوراه والماجستير.

مع بداية الألفية الثالثة، عادت عاشور لمجال النقد الأدبي، حيث أصدرت مجموعة من الأعمال تتناول مجال النقد التطبيقي، وساهمت في موسوعة الكاتبة العربية (2004)، وأشرفت على ترجمة الجزء التاسع من موسوعة كامبريدج في النقد الأدبي (2005).

نشرت بين 1999 و2012 أربع روايات ومجموعة قصصية واحدة، من أهمها رواية الطنطورية (2011) ومجموعة تقارير السيدة راء القصصية. (الذاكرة لا تقتُل. تؤلم ألماً لا يطاق، ربما. و لكننا إذ نطيقه تتحول من دوامات تسحبنا إلى قاع الغرق إلى بحر نسبح فيه. نقطع المسافات. نحكمه و نملي إرادتنا عليه) من رواية الطنطورية.

في 2007، توجت بجائزة قسطنطين كفافيس الدولية للأدب في اليونان، وأصدرت سنة 2008، ترجمة إلى الإنجليزية لمختارات شعرية لمريد البرغوتي بعنوان “منتصف الليل وقصائد أخرى”. آخر أعمالها التي ظهرت للنور قبل وفاتها سيرتها الذاتية بعنوان أثقل من رضوي: ( مادامت للأرض ذاكرة، فلابد أن للزعفران ذاكرة و لابد أنه ايضا ينتظر لكي يُخرج شَطاه و يفترش الحيز و يتوسع، لأنه لم يعد يخص سيدة مسنة تقيم في قصر، بل شبابا عجيبا، ناهضا رغم رحيله، يأتنس الزعفران بوجودهم و يرتاح لتلك الرائحة التي يتحير إن كانت رائحته و قد زادت مع الزمن قوتها، أم هي رائحتهم)

وفي ذكري ميلادها القادم 2 يونيو سيتم طرح رواية أخيرة لها بعنوان صرخة، لم تستطع إكمالها حيث كان الموت أسرع إليها، وذلك في السابعة من مساء يونيو القادم بساقية الصاوي بحضور زوجها وابنها الشاعر والناشط السياسي تميم البرغوثي.

يوم وفاة رضوى ظللت صامتة لم أتكلم، عرفت يومها أنني فقدت جزءا من نفسي، أحببت تلك السيدة حبا عميقا بالرغم من عدم رؤية عيناي لها إلا من خلال برامج التلفاز، حتى أنني لم أستطع قراءة روايتها أثقل من رضوى، التي اشتريتها قبل وفاتها بأيام، حتى يوم طُلب مني في أحد الكورسات إختيار شخصية عامة لأتكلم عنها، كان معظم المشاركيين أجانب، لا يعلموا من هى رضوي! رأيتني أتكلم عنها بعاطفة وحب غريب، عن علاقتها بزوجها، وولدها، وكلماتها المنسابة في قصصها كعناقيد العنب، عن نضالها مع المرض في صبر عجيب، وفي نهاية الحديث وجدت الجميع مبتسما، علت أصوات أيديهم بالتصفيق لرضوى،  شعرت أنني أخذت العزاء فيها، سكن ألم موتها.. بعدها بأيام حلمت بها تتنتظرني خارج بيتي لتسلم عليّ.. إنها رضوى!

ظلت رضوي عضوا فاعلا في مجموعة 9 مارس لاستقلال الجامعات منذ حكم نظام مبارك، ورفضت العديد من المناصب لتكون ثمنا لسكوتها، شاركت في ثورة يناير بالرغم من مرضها، الذي ظل معها تراوضه حتى لفظت بأنفاسها الطاهرة، وكما قالت رضوى في روايتها الرائعة ثلاثية غرناطة:

(وما الخطأ في أن يتعلق الغريق بلوح خشب أو عود أو قشة؟ ما الجرم في أن يصنع لنفسه قنديلاً مزججاً و ملوناً لكي يتحمل عتمة ألوانه؟)

ظلت رضوى هى القشة، التي أنقذت العديد من طلابها وقرائها وأحبائها من الغرق مرارا، نعم السيدة والأديبة والأساتذة، والأم، والزوجة ، إمرأة نادر.. أن يتواجد من في قيمتها وجمالها أحد.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة