التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

رضوى وأنا

كتبت: بيان حداد

استيقظت بمزاج سيء ورقبة متشنجة. ذكرت نفسي بأن أمامي يوم طويل وإني بحاجة لكوب من القهوة وأنا أمد يدي لالتقاط هاتفي. سألقي على والدتي تحية الصباح عبر تطبيق “الواتس آب”. أفضل الكتابة في هكذا حالات، سأرسل وجهًا مبتسمًا سمجًا يقول أني بخير. وبينما أنا على وشك ذلك، انتبهت لرسالة وصلتني عبر التطبيق نفسه. إنها من إيمان، صديقتي من مصر تخبرني بأن “سبب صداقتنا مات”. للحظة اعتقدت أنها تمزح خصوصًا مع الرمز الإلكتروني الحزين المستفز أو أنها أرسلتها لي بالخطأ. فضولي كان أقوى، وجدت نفسي أتصل بها. “مرحبًا صديقتي. ماذا هناك؟”

“رضوى عاشور توفت.” لا حاجة للقهوة.

أنا وكعادتي أفاجأ نفسي بمواقف كهذه، أبدو غير مُبالية تحت تأثير الصدمة. “الله يرحمها. كيف حالك؟” سألت وأنا في حالة ذهول من الخبر ومن نفسي.

إيمان كانت قد أعجبت يومًا بما كتبت عن رواية رضوى، الطنطورية، في موقع جودريدز ومنه بدأت صداقتنا. ما إن أغلقت الهاتف معها حتى اجتمعت في رأسي عشرات الأفكار، كلها تتسابق لتخرج ولكنها لا تستطيع… تغص بداخلي وتوجع رأسي كعقوبة… كطابعة ازدحمت بها الأوراق فتعطلت. قبل يوم واحد فقط بكيت بسبب ذلك وعندما رأيت نفسي في المرآة قلت بصوت عال: وأخيرًا تعلمت أن أبكي من دون أن يتلطخ الكحل الذي أرتديه. بعدها بدقائق اكتشفت كم أن هذا الإنجاز مثير للشفقة.

لملمت أغراضي وتوجهت للجامعة وأنا أفكر، هو الموت مرة أخرى إذًا، يختفي لفترة حتى أعتقد أنه غير موجود، فقط لأجده على منعطف الطريق يتربص بغيري ليذكرني بإنه دائمًا هنا. يقولون عندما تسمع عن وفاة أحدهم ستفكر بدورك. ولكني لم أفكر بذلك، فكرت بحجم خسارتنا بفقدان رضوى.

“لا تشخصني من لا تعرفين” والدي كان دائمًا ينصحني بذلك. ولكن عندما يأتي الموضوع لرضوى، لا أستطيع. تمنيت أن أتعرف عليها شخصيًا وتمنيت أن تحبني وأن نتحدث سويًا فوق فنجان قهوة. أنبت نفسي على هذه الأفكار فيما بعد والتي تبدو أنانية بحتة. ولكن هي رضوى، تعطيك الشعور بإنها قريبة لذلك تشعر بإن خسارتها أمر شخصي.

بسبب رضوى أنا الآن أدرس الأدب المقارن (وهو التخصص الذي أدرسه لنيل درجة الماجستير). اسمها من أوائل الأسماء التي تلمع في ذهني عند ذكر الأدب وعندما أفكر بالسبب لا أستطيع أن أجد نقطة محددة. كل ما أعرفه بأن رضوى من أذكى الكاتبات، هي السهل الممتنع كما يقال… تقدم أفكارها بهدوء وسلاسة لا تشعر معها بإنها تعادي أي فكر أو شخص، حتى لو كانت فعلاً تفعل وحتى لو كانت تعارضك أنت شخصيًا! بعيدة عن كل التعصب والتصنيفات، رضوى ترتقي بنفسها ولا تضعها في زوايا ضيقة بل تختار الرحابة فوقها. تمسك يدك كطفل لكنها لا تستخف بذكاءك، تحترم فكرك وتحترم فكرة أنك قد تعارضها. تجعلك تصل للاستتاجات لوحدك، ولك وحدك أن تتخيل سعادتها إن فهمت ما تقصد.

هادئ، ناقد ومتزن هو صوتها. ولكن هي روحها التي تحبها أكثر. في سيرتها الذاتية “أثقل من رضوى” تخبرنا عن حكاية معاناتها مع المرض وحكاية الثورة التي لم تنته بعد. تتفاجأ بحجم التفاؤل والأمل الذي تحمله سيدة حاربت المرض لخمسة وثلاثين عامًا!

كانت في العقد الستين عندما توفت لكنها لازالت تملك روح طفلة، التي ”ما إن تجد الشارع خاليًا نسبيًا، حتى تروح تركل أي حجر صغير تصادفه بقدمها اليمنى. تفعل كأي صبي بقال في العاشرة من عمره. تأخذها اللعبة، تستهويها فلا تتوقف إلا حين تنتبه أن أحد المارة يحدق فيها باندهاش”.

رضوى كما قال فيها ابنها: “اقتراح بوجود بشر أحسَنْ.. بَسمِتْها بتقول يا ناس جرّبتَها، وأَمْكَنْ.”

في مؤتمر عقد في جامعة القاهرة، تحدثت رضوى عن علاقتها مع الكتابة وحبها لها. أحد الأسباب التي دفعتها لتكتب كان شعورها بالخوف “من الموت الذي يتربص، وما أعنيه هنا ليس فقط الموت في نهاية المطاف ولكن أيضًا الموت بأقنعته العديدة في الأركان والزوايا، في البيت والشارع والمدرسة، أعني الوأد واغتيال الإمكانية.

أنا امرأة عربية ومواطنة من العالم الثالث وتراثي في الحالتين تراث الموءودة، أعي هذه الحقيقة حتى العظم مني وأخافها إلى حد الكتابة عن نفسي وعن آخرين أشعر أنني مثلهم أو أنهم مثلي.”

تستطرد رضوى وتوضح أن علاقتها بالكتابة لم تكن سهلة وأنها تطلبت الكثير من الاجتهاد. أظل أذكر نفسي بذلك.

وتختم بالقول: “إني أحب الكتابة لأني أحبها وأيضًا لأن الموت قريب، قلت إن الواقع يشعرني بالوحشة وإن الصمت يزيد وحشتي والبوح يفتح بابي فأذهب إلى الآخرين. أو يأتون إليّ.”

أنا أتيت لرضوى. رسالتي ستكون عن رواية رضوى، “الطنطورية”.

رضوى في كتابها -كما يقول مريد البرغوثي- “تأخذ بيدك إلى شاطئ الطنطورة وتقول لك ضع قلبك هنا، ودعه هنا، وارسم غدك من هنا، كي تعود إلى هنا، إلى الساحل الأول.”

“رسوم ناجي العلي تعرّفنا بأنفسنا. وعندما نعرف نستطيع،” هذا ما تقوله رضوى على لسان إحدى شخصياتها. أستطيع أن أقول نفس الشيء عن كتاباتها.

صباح اليوم كنت في أحد المقاهي، أحتسي القهوة وأنا أقرأ الطنطورية للمرة الثانية. بكيت، وتلطخ الكحل، ومسحته في طريقي للخروج في نظرة سريعة إلى ماكينة القهوة التي عكست صورتي عليها…

طالبة أدب مقارن في جامعة إدنبرة في المملكة المتحدة. فلسطينية الأصل

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. مقال رائع تقريبا انا حصلي كل كلمه فيه وبالظبط وكمان بدرس ادب مقارن وهعمل رساله عن رضوي

زر الذهاب إلى الأعلى