التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

قطعة من أوربا

كتب: عادل أسعد الميري

عادل الميري
عادل الميري

 

 

 

 

 

 

رواية (قطعة من أوروبا) تدور أحداثها على لسان الراوى الذى يعرفنا بنفسه بأنه من مواليد سنة 1937 ، وأن حياته كلها دارت فى منطقة وسط البلد بالقاهرة، وأنه شهد بنفسه أحداثاً تاريخية هامة فى تلك المنطقة من القاهرة، المنطقة الواقعة بين ميادين أربعة هى : التحرير (الإسماعيلية سابقاَ) ، وعابدين والعتبة ورمسيس، حيث أن الراوى سكن (ونفهم أنه ما زال يسكن) شارع سليمان باشا ، غير بعيد عن ميدان طلعت حرب ، ونفهم كذلك من عنوان الرواية ، أن تلك المنطقة من وسط المدينة ، وهى الجزء الأوروبى فيها (بالمقارنة بجزئها الإسلامى الشعبى جهة الأزهر والحسين والسيدة زينب)  هو الجزء الذى بدأ تخطيطه وبناءه الخديوى إسماعيل باشا سنة 1863، مطلقاً عليه لقب (قطعة من أوروبا) وهو عنوان الرواية.

الجديد فى هذه الرواية هو التداخل بين قصة حياة الراوى الشخصية ، وقصة نمو وتطور تلك المنطقة من القاهرة، منذ إسماعيل باشا ، وحتى ميلاد الراوى ، وكذلك أثناء حياة الراوى، ذلك التطور الذى يعرض له الراوى من نواحيه المختلفة (المعمارية – الاجتماعية – الاقتصادية) وذلك من خلال فصول الرواية المتتالية.

تبدأ الرواية بفصل عن الخديوى إسماعيل ، سفره للعلاج فى فيينا من مرض فى العيون وهو طفل صغير ، ثم سفره إلى فرنسا بعد ذلك وهو شاب للدراسة فى المدارس العسكرية الفرنسية ، ثم عودته فى سن العشرين إلى مصر، حيث بقى فيها سبعة عشر عاماً يعيش أميراً فى القصور الملكية لحين تعيينه خديوى فى سن السابعة والثلاثين سنة 1863. وافق ذلك العام تدهور أحوال إنتاج القطن طويل التيلة فى أمريكا بسبب الحرب الأهلية الأمريكية ، مما جعل مصر تنفرد بانتاج هذا النوع من القطن، وبالتالى ازدهرت أحوال مصر الاقتصادية، وجاءت رحلة إسماعيل إلى فرنسا ذلك العام ، عندما كان البارون (أوسمان) يتولى إعادة تخطيط مدينة باريس ، بشق الشوارع والميادين ، وبإنشاء القصور والحدائق العامة، وهو ما حاول إسماعيل تقليده فى القاهرة بدءاً من ذلك العام، بإنشاء ميدان الإسماعيلية ، وشق الشوارع المتفرعة بينه وبين ميداني العتبة وعابدين، وكذلك إنشاء قصر عابدين ليصبح المقر الملكى ، وكذلك شق شارع القلعة.

نعرف كذلك من نفس هذا الفصل الأول من الرواية ، أن أحد القصور الملكية التى كان قد بناها الخديوى (عباس حلمى الأول) ، وكان موجوداً على النيل عند الموقع الحالى لجامعة الدول العربية ، وكذلك لمبنى هيلتون النيل، هذا القصر الملكى هو الذى كان قد أدى إلى تسمية الكوبرى الموجود أمامه بكوبرى (قصر النيل). وقد تحول هذا القصر بعد الاحتلال البريطانى لمصر سنة 1882 إلى ثكنات للجيش البريطانى ، ثم تم هدمه بعد الثورة.

ينقلنا الفصل التالى من الرواية إلى بطل قصتنا (الراوى) عندما كان شاباً صغيراً فى الخامسة عشر من عمره سنة 1952 ، عندما عاش بنفسه أحداث يوم 26 يناير من ذلك العام، ذلك اليوم المأساوى من تاريخ مصر الحديثة ، عندما اشتعلت الحرائق فى القاهرة ، فى دور السينما والمقاهى والمطاعم والفنادق والشركات ، خاصةً تلك التى كانت تحمل أسماء أجنبية. ويتساءل الراوى إن كان الملك (فاروق ) هو الذى حرق القاهرة ، وذلك لإحراج حكومة الوفد برئاسة (النحاس باشا) ، والتخلص من تلك الحكومة فيما بعد، انتقاماً منه بسبب عدم رضاء الإنجليز عن إلغـائه لمعاهدة 1936 بين مصر وانجلترا ؟ أم أن الذى حرق القاهرة هم الإخوان المسلمون الذين كانت حكومة النحاس باشا قد بدأت تضييق الخناق عليهم ؟ أم هم الغوغاء ولصوص الشوارع كما قال المؤرخ المصرى (عبدالرحمن الرافعى) ؟ ملحوظة: مازال هذا السؤال بلا إجابة بعد أكثر من خمسين عاما!!.

وفى الفصل التالى تختلط هذه المأساة التاريخية بقصة من واقع حياة (الراوى) ، هى قصة اكتشافه للمذياع، وبداية حبه للاستماع فيه إلى أغنيات (محمد عبد الوهاب)، مثل أغنية (مسافر زاده الخيال – والعشق والسحر والجمال) وهى أغنية عبد الوهاب عن نهر النيل، ثم عشق (الراوى) لصوت شهر زاد ، فى حلقات ألف ليلة وليلة خلال شهر رمضان فى أوائل الخمسينات ، ذلك الدور الذى كانت تؤديه الممثلة (زوزو نبيل)، ذلك العشق الذى سيصبح فيما بعد أحد أسباب اختيار (الراوى) لزوجة المستقبل، وذلك حيث أن اسمها (شهر زاد)، وصوتها يشبه صوت الممثلة الجميل المؤثر.

ثم نعود فى الفصل التالى من جديد إلى قصة (إسماعيل باشا) ، عندما أدى تبذيره إلى الإستدانة من بريطانيا ، ثم محاولة فك ذلك الدين البالغ أربعة ملايين من الجنيهات، ببيع أسهم مصر فى شركة قناة السويس إلى الإنجليز سنة 1875، ثم قبوله تأسيس صندوق الدين (المعروف بالفرنسية بإسم الكوندومينيوم) سنة 1876 ، ذلك الصندوق الذى بدأ فى التدخل فى شئون مصر الداخلية بحجة ضمان سداد بقية الدين ، ذلك التدخل الذى أدى سنة 1882 إلى ثورة الشعب المصرى بقيادة (أحمد عرابى) على النفوذ البريطانى، فجاء الأسطول البريطانى فى يوليو من ذلك العام لضرب مدينة الإسكندرية بالقنابل ، بدعوى حماية الأقليات الأجنبية فيها ، ثم تبدأ إنجلترا بذلك احتلالاً لبلادنا دام اثنين وسبعين عاماً ، يستغل خلالها الإنجليز كل اقتصاديات مصر استغلالاً تاماً (خاصة قناة السويس والقطن طويل التيلة) وذلك خلال حربين عالميتين تكبدت خلالهما مصر تكاليف باهظة بسبب وجود قوات الاحتلال الإنجليزى تلك على أرضها.

ثم يقفز بنا الفصل التالى إلى مأساة أخرى من مآسي التاريخ الحديث لمدينة القاهرة، عندما يذهب (الراوى) ذات صباح من شتاء 1970 ، إلى مسرح العرائس الموجود فى أحد أطراف حديقة الأزبكية ، مع بناته الطفلات الثلاث لحضور عرض (الليلة الكبيرة) لصلاح جاهين وسيد مكاوى، ثم يفاجأ عند خروجه من المسرح ، بوجود حريق ضخم كان قد التهم تماماً مبنى أوبرا القاهرة، ذلك المبنى الذى كان (الخديوى اسماعيل) قد بناه من ضمن إنجازاته المعمارية سنة 1869 ، للاحتفال ذلك العام بافتتاح قناة السويس ، ويذكر (الراوى) عرضاً مسألة لعب أوبرا (ريجوليتو) للموسيقى الإيطالى (فيردى) ، وذلك بدلاً من أوبرا (عايدة ) لنفس المؤلف ، وهى الأوبرا التى لن تلعب لأول مرة إلا سنة 1871.

نعود فى الفصل التالى إلى مسألة بيع أسهم مصر فى قناة السويس إلى الإنجليز ، وذلك لنعرف أن هذا البيع كان قد تم بوساطة من أحد أفراد عائلة (روتشيلد) اليهودية ، وأن هذا البيع الذى كان قد تم سنة 1875 ، هو بداية تغلغل النفوذ اليهودى فى الحكومة البريطانية ، ذلك النفوذ الذى سيؤدى بعد ذلك سنة 1917 ، إلى إقناع وزير خارجية بريطانيا (اللورد بيلفور) بالسماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين لإنشاء وطن قومى لهم هناك، هكذا نرى بوضوح كيف أن كل فصول تاريخ المنطقة قد تداخلت تماماً فى شبكة كانت تزداد تعقداً مع مر الأيام.

ثم يخصص (الراوى) فصلاً كاملاً يحكى لنا فيه تاريخ فندق (شبرد) ، وذلك منذ أن استطاع الخواجة (شبرد) السويسرى الجنسية ، الحصول من الخديوى (عباس حلمى الأول) على قصر (الألفى بك) ، والذى كان يقع فى الشارع الذى ما زال يحمل اسمه حتى الآن، مقابل هدية صغيرة لم تكن إلا كلب صيد ! (يا بلاش). كان هذا القصر قد أنشأه (الألفى بك) فى القرن الخامس عشر الميلادى ، عندما حصل على حريته ، فقد كان قبل ذلك عبداً مملوكاً اشتراه احد السلاطين بمبلغ ألف دينار لمواهبه العسكرية ولذكائه ، ولذلك فقد سمى هذا المملوك (سابقاً) بإسم الألفى ، إشارة إلى المبلغ الذى دُفع فيه. وقد ظل هذا القصر ملكاً لأسرة (الألفى) طوال قرون الإحتلال العثمانى ، ثم تحول إلى مركز قيادة القوات الفرنسية عندما حضر بونابرت إلى القاهرة سنة 1798 ، ثم تحول إلى (مدرسة الألسن) فى زمن محمد على عندما عاد (رفاعة الطهطاوى) من بعثته الباريسية سنة 1827 ، ثم تحول بعد ذلك إلى فندق يحمل إسم الخواجة (شبرد). وقد انتقل هذا الخواجة إلى مقر جديد يبعد فقط مئات الأمتار عن المقر القديم ، وذلك عندما قرر التوسع بعد دخوله شريكاً مع شركة السياحة الإنجليزية (توماس كوك) ، كان ذلك سنة 1869 عندما بدأت هذه الشركة فى إنشاء خط ملاحى سياحى نهرى بين القاهرة وأسوان ، وقد نجحت هذه الشركة فى اجتذاب المئات من السياح الإنجليز مما أدى بالخواجة (شبرد) إلى الرغبة فى توسيع الفندق، وقد احترق ذلك المبنى فى يناير 1952 ، ثم قررت حكومة الثورة بعد ذلك بناء فندق يحمل نفس الإسم ، ولكن فى موقع جديد على النيل ، بجوار كوبرى قصر النيل ، وقد افتتحه جمال عبد الناصر سنة 1957 ، وهو الفندق الذى ما زال فى نفس المكان يحمل نفس الإسم.

ثم نصل إلى أكثر فصول الرواية إثارة ، عندما نعرف أنه فى سنة 1897 ، وكان الخديوى (عباس حلمى الثانى) فى الحكم ، كان قد تم بيع نصف مليون فدان من أجود أراضى الصعيد فى منطقة أسوان وكوم امبو وقنا، إلى أكبر عائلات مصرية يهودية فى ذلك الوقت (قطّاوى – سوارس – موصيرى – مزراحى – منشة) ، حيث كان مخططاً فى ذلك الوقت إنشاء وطن قومى لليهود فى تلك المنطقة من مصر (كانت هناك فكرة أخرى لإنشاء هذا الوطن فى صحراء سيناء ولكن بالطبع فضل اليهود الأرض الزراعية فى وادى النيل) ثم كانت هناك كذلك فيما بعد فكرة الذهاب إلى أوغندا لإنشاء ذلك الوطن، وذلك قبل أن يقرر الخواجة (بلفور) اختيار فلسطين لذلك الغرض! كان (موسى قطاوى)، مؤسس تلك الأسرة ، قد وصل إلى مصر قادماً من مدينة حلب السورية سنة 1840 ، وذلك ليعمل فى خدمة باشا مصر (محمد على) ، وكان من المعروف أن محمد على يعهد بالكثير من أموره المالية إلى اليهود والنصارى ، فعهد إليه الباشا بالإشراف على الضربخانة (دار سك النقود) وكذلك الإشراف على المخابز وأسواق بيع السمك والجمارك. وكان (موسى قطاوى) قد قرر تزويج بناته الأربع من أبناء العائلات المصرية اليهودية الكبيرة، وهى العائلات التى كانت قد حضرت كذلك إلى مصر من الشام على زمن محمد على وخلفائه سعيد وإسماعيل وعباس حلمى الأول، وبذلك تكونت عصبة يهودية فى مصر ، كانت تمتلك رؤوس أموال كبيرة (بمعدلات ذلك الزمان) ، وكانت تتمتع كذلك بحماية قناصل الدول الأجنبية (النمسا – إيطاليا – فرنسا) ، وقد حضر لزيارة تلك العائلات فى مصر كل قادة المنظمة الصهيونية العالمية، من (هرتزل) إلى (وايزمان)، وكذلك من (بن جوريون) إلى (أبا إيبان).

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى