التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

السيدة راء.. رحلة المكان

كتبت: د. علياء الداية

جامعة حلب – سوريا

علياء الداية
علياء الداية

 

 

 

 

 

تعقد الأديبة رضوى عاشور أواصر الصلة في كتابها “تقارير السيدة راء” بين الحداثة والتراث، وبين الواقع والخيال الفانتازي. وفي هذا الكتاب الذي يمثّل نموذجًا يجمع مقاطع من السيرة الذاتية مع الأسلوب القصصي، يلمس القارئ هاجس الفقدان الذي يَلوح من خلال كلمات عدّة في عناوين التقارير الاثنى عشر، كـ “اليوم الأخير ـ الشهر الأخير ـ الجنازة ـ قتل نظيف ـ حزين…” وهي الكاتبة التي رحلت عن عالمنا مع نهاية الشهر الماضي تشرين الثاني/ نوفمبر 2014.

ليس هذا الهاجس ببعيد عن مؤلفات رضوى عاشور، فهي التي اهتمت بسبر العلاقة بين الذات والآخر، مستقرئة التاريخ للبحث في أدقّ تفاصيله وربطها مع حياة البشر في صيغة روائية تفرّدت بها، ليتضافر الحدث مع الوصف الذي يأخذ بالقارئ إلى لبّ المكان وإلى معايشة زمن الرواية في تكاملٍ نادر، كما في “ثلاثية غرناطة” على سبيل المثال: حيث الزمن القديم، وكما في “قطعة من أوروبا” مثالاً على الزمن القريب الذي تفصلنا عنه عقود من السنوات.

في “تقارير السيدة راء” نكتشف علاقة مميزة لبطلة القصص بالواقع الحالي، من جهة الزمن المعاصر، والثقافة، ومميزات عصر السرعة. وتتنوع الشخصية الرئيسية بحسب دورها المباشر المعيش، أو بالعودة إلى ماضٍ قريب أو بعيد، إنها تارةً “السيدة راء” أو “الآنسة راء” أو “ماما راء”. وهي في كثير من الأحيان لا تترك متلقيها القارئ وحيداً، بل تخاطبه منبّهةً إياه إلى وجوده معها على الطرف الآخر من الكتاب. وتكمن أهمية خاصة في هذه النصوص، في أنها تحرّض القارئ على متابعة القضايا اليومية المعيشة، التي تضفي “السيدة راء” آراءها الشخصية عليها، منها البسيط المباشر، كأزمة المرور الخانقة، ومنها المركّب كالظروف السياسية الدولية، وجهل العديد من الناس بالتاريخ، غربيين كانوا أم شرقيين.

وتحتفي بطلة القصص بكل ما يتعلّق بالثقافات، ووسائل الاتصالات، والسفر، ولا سيما أن المجموعة صدرت في عام 2001، فما يجري من أحداث صغيرة، وتساؤلات لدى الشخصية أو حوارات قصيرة مع شخصيات محيطة بها، أو تأملات يحوز الواقع المحيط على النصيب الأكبر منها، هو توثيق عصري وخلاصة ومقارنات خبرة الكاتبة بين الماضي والحاضر.

فعلى صعيد المكان، نجد كلاً من أميركا وإسبانيا، اللتين تسافر البطلة لزيارتهما انطلاقًا من القاهرة التي تعود إليها وتخصّها بصفحات كثيرة نابضة بنقد الكثير من ظواهر المجتمع وصفات أفراده، فثمة الجيران، وسائق سيارة الأجرة، والمذيع الملحاح، وثمة التاريخ الذي تستشهد بشخصياته ومنها أم كلثوم وقاسم أمين.

وتُلازم وسائل الاتصالات بطلةَ القصص في أغلب الأماكن، وهي تقرّ بأهميتها من جهة، وبعدم ألفتها لها من جهة أخرى، وكثيرًا ما توردها في إطار ساخر، كما هي “طرقات ونوافذ مايكروسوفت” وكما هو حوارها مع صديقتها التي تحثّها على اقتناء طبق ومستقبِل وكمبيوتر واشتراك شبكة إلكترونية.

إنّ الكاتبة تبرع في أسلوبها الساخر الذي يوازن بين التراث والحداثة، فهي تقترح إضافة عناوين من قبيل “وأنفعُ الدشوش كبيرُها” إلى أقوال أكثم بن صيفي، و”قَطع المفازة في صبيحة يوم الجنازة” إلى فصول كتاب ابن حزم، كما أنها تقارن بين البطل لدى أرسطو قديمًا، والبطل الإيجابي وموقف نقاد الحداثة منه. والجدير بالذكر أن التطرّق إلى الحداثة ونقدها يرد مرات عدّة في هذه المجموعة القصصية.

ومن ناحية أخرى فإن شخصية الدكتورة رضوى عاشور الثقافية والجامعية تبرز بوضوح بين الصفحات، إذ تتسلل أسماء كلّ من: موباسان، وهمينغواي، ولوركا، وبيكاسو، وشرلوك هولمز، ونيوتن بين طيات القصص، على نحوٍ توظّفه الكاتبة لنقد ظواهر عديدة، من أبرزها مصارعة الثيران، إذ تصف بالتفصيل مشاهدتها لمقطع مسجّل في التلفزيون، وتَمهّلها لدى التقاط جزئيات حركة كل من الثور والمصارعين، ولا يفوت المتلقي إشارتها في النهاية بعد مقتل الثور إلى دخول ثور آخر من جديد إلى الحلبة.

ويعود المكان ليبرز بقوة، ويكون العنصر الذي تمنحه رضوى عاشور بطولة القصة، فثمة فلسطين ذات الجراح المتجددة، وإسبانيا التي تستعيد فيها “السيدة راء” ملامح الحضارة القديمة في نماذج البيوت العربية والأسواق والمساجد والحِرف التقليدية التي كانت في الأندلس، كالحلي الدمشقية والفخار والقيشاني والخشب المعشّق بالصدف، إلى جانب القمصان القطنية التي تحمل اسم قرطبة بالحروف اللاتينية، وهي تمضي قدُماً في مخاتلة المكان ومحاولة التقاط لحظات تتجاوز فيها الزمن لتأخذ قارئها إلى التاريخ، فتترقّب لحظات من الصفاء لدى إطفاء أنوار المباني العامّة، لعلّها ترى طيف المكان “في الظلام المخفف صلبًا ومحددًا وحقيقيًا”.

إنها تربط الإنكسار والحزن بين زمني الماضي والحاضر، فتقارن بين لوحةٍ رأتها في إسبانيا فيها وعل جريح يحيط به الصيادون والكلاب، ولوحة شبيهة شاهدتها قبل ربع قرن في متحف في نيويورك. كما تتشابه بعض الأحداث الصغيرة، فالوردة التي تجاهلتها معلّمة ابنها في المدرسة، تشبه الوردة التي رفضت “السيدة راء” شراءها من الغجرية الإسبانية.

لقد كانت “السيدة راء” بطلةً في القصص كلها، غير أنها ابتكرت شخصيات مكمّلة مشاركةً في جزء من البطولة، فها هي ذي “السيدة راء” مع نسخة مطابقة لها تجلسان في المقهى في كامبريدج، أما في إسبانيا فكان ثمة صبيّة صغيرة تنتظر على الجانب الآخر، وكأنها “السيدة راء” نفسها في تجلٍ آخر إضافي.

إنّ “تقارير السيدة راء” أو لعلّها رحلات السيدة راء، كانت وماتزال نافذة نطلّ منها على رضوى عاشور في عالمها القصصي مكانًا وزمانًا وقضايا معاصرة.

نُشر في جريدة القاهرة، الثلاثاء 9 ديسمبر 2014

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى