التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

عزيزتي رضوى.. بعد التحية

كتبت: منى موسى

عزيزتي رضوى؛

بعد التحية…
الآن في يوم ميلادك، أكتب لك بقليل من الخجل عن رحلتي معك، هي ليست طويلة، فقد كانت روايتين وحسب، ثلاثية غرناطة والطنطورية، لم استطع التخلص من عبء الحزن الذي ألقيتي به على كاهلي يا رضوى، الأمر ليس بسيطًا أو هينًا، فكنت أخاف الاقتراب من باقي أعمالك، على أن نفسي لطالما نازعتني على بدء أكثر من رواية لك، أعلم أن قراة أي عمل لك سيجعلني أمثل طويلًا أمام شبح الموت الذي يختطف الأحبة، يقولون أن الكاتب لا يموت، يبقى أدبه خالدًا، لكن كيف لنا ألا نشتاقهم ألا نفتقد كتبًا لم تولد بعد، يقولون: “ثمة أناس يذهبون فيحملون نصيبًا من جمال هذا العالم معهم.” الأمر ليس هينًا يا رضوى، أحدثك الآن عن رحلتي مع ثلاثية غرناطة لن أقول لكِ قرأتها، ولكن عايشتها، لقد سرقتني يا رضوى، سرقتني من عالم يغص بالوجع، لعالم آخر أكثر إيلامًا، تعريفين أنني انتهيت من قراءتها في وقت قياسي، أربعة أيام وحسب، استطعتِ بها أن تنقليني لأجواء أخرى أكثر سحرًا، تاريخ آخر، أحييتني 100 عام في الأندلس، شعرت باغتراب سليمة، مرح مريمة، حزن سعد الدائم وتوقه لأهله، حكمة نعيم، تعرفين لقد بكيت في مشهد حرق الكتب، ثقيل على روحي موت مريمة بكيتها طويلًا، مريمة تلك الشخصية التي حلمت بها حينما قرأت الجزء الثاني من الثلاثية، في تلك الثلاثية عملتِ على بث اللوعة في نفوسنا، لوعة فراق وطن سُلب منا..
أما في الطنطورية أنت لم تجعلي منها رواية، أنت جعلت منها وثيقة، روايتك توثيق لمعاناة شعب، كل تفاصيل رواياتك يتناقلها الفلسطنون فيما بينهم، أحداث كثيرة من أحداث الرواية تحكيها الجدات للأحفاد، لا أنسى صديقة أمي التي تبلغ من العمر 87 عامًا عندما كانت تحكي لنا يا رضوى كيف خرجت من بيتها كيف انتفت من بلد لبلد، أنت جمعت كل حكاياهم ووثقتها في رواية، صديقة أمي ماتت لا أضمن أن يحكي الحكاية أبنائها بنفس الوجع التي حكت به لي، نبرة صوتها لهجتها التي ما كانت تغيرها كانت تشي بالفقد يا رضوى، أنتِ وثقتي كل هذا، يستطيع من يقرأ الرواية يسمع تلك العجوز كما لو أنها أمامه، فقد مثلتِ قمة البؤس، حيث الشيء المؤكد ما كان إلا أسوأ الكوابيس، حال رقية التي أذهلتني، وجعلتَني أدمن القهوة طيلة قراءة تلك الرواية، لا أخفيك سرًا فقد سلبت رقية لب قارئيها، وسألني أحدهم عن امرأة بمواصفات تلك رقية كي يرتبط بها بعدما عكف طويلا عن موضوع الارتباط، افتتن بها، ابتسمتْ، لم أظنه جن ولمَ لا فقد أسرتني أنا أيضا بقوتها، أتذكرين ذلك المشهد الذي رأت فيه أبيها ميت، وذلك المشهد الذي اختفى فيه زوجها، وانتظارها له، ووفاءها، تلك الدائرة التي لا تنتهي من التنقل من بلد لبلد، من الاغتراب الداخلي قبل الخارجي، حين أنام خارج غرفتي أشعر بغربة، فكيف حال أولئك الذين ينتزعهم الحنين إلى بلدهم طيلة الوقت، لم أعرف ناجي العلى قبل قراءتي للطنطورية، حب رقية له جعلني أحمل أعماله من على النت وأراها في نفس الوقت الذي أقرأ روايتك به، وعرفتني أيضًا بالدكتور أنيس صايغ، ناهيك أنها وثقت علاقتي بغسان كنفاني..
روايتان وحسب يا رضوى أعطوني ما لا أحتمل من الفقد، والحزن على ما فقده غيري، أكنتي تعلمين، أن قراءك سيحملون على كواهلهم عبء ما لم يستطع الأخرين الحفاظ عليه، لا أدري..
لا أريد الإطالة عليك فالكلام بداخلي لا ينتهي..
وختامًا كل عام وأنتِ أنتِ تلك الإنسانة التي تحمل حزن العالم في قلب بريء كقلب طفل..

المخلصة دومًا
منى

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى