التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

عزيزتي رقيّة

كتبت: سارة قويسي

 

كنت أتساءل منذ أن عرفتك كيف يمكن لإنسان أن يتحمل كل ما واجتهه، وهو يحمل بداخله ملامح الإنسانية المفعمة بالحب والحياة. امرأة تقف في منتصف الطريق، شعثاء غبراء، لا تصدق أي شيء مما يحدث حولها.

امرأة وجدت نفسها بمحض الصدفة على قيد الحياة. لا تعرف ماذا عليها أن تفعل؟! وحيدة في صباح المدينة الحزينة البائسة .. تبحث ولا تعرف عن أي شيء تبحث .. تنتظر!

“في الانتظار يصبني هوس برصد الاحتمالات الكثيرة!”

الانتظار.

كلنا يعرف الانتظار.

أن تنتظر ساعة، يومًا أو يومين، شهرًا أو سنة أو ربما سنوات. تقول طالت، ولكنك تنتظر. كم يمكن أن تنتظر؟

لا .. ليس هكذا الانتظار، فهو ملازم للحياة لا بديل لها. تنتظر على محطة القطار، وتركب في الوقت نفسه قطارات تحملك شرقًا وغربًا وإلى الشمال وإلى الجنوب. تخلّف أطفالًا وتكبرهم، تتعلم وتنتقل إلى الوظيفة، تعشق أو تدفن موتاك، تعيد بناء بيت تهدَّم على رأسك، أو تُعّمِّر بيتًا جديدًا. تأخذك ألف تفصيلة وأنت وهذا هو العجيب، واقف على المحطة تنتظر.

ماذا تنتظر؟ ما الذي تنتظره رُقَيَّة على وجه التعيين؟ … ربما حكاية غير قابلة للتلخيص. ثم ما وقع الخوف من وقفة الاتنظار؟ الخوف المُضْمَر كمياة جوفية مقيمة في الصحو والمنام، والخوف الصريح لحظة ترتج المدينة فجأة. دقائق ثم تنتبه أن البناية التي تحوَّلت إلى ركام يتصاعد منه اللهب والدخان، بصدفة غير مفهومة، هي بناية الجيران لا البناية التي تسكن أنت فيها … حكاية غير قابلة للتلخيص، لأنها حكايتي.

امرأة في الخامسة والثلاثين تمشى كأنها تركض، لا تقصد أي مكان! تريد الهرب من حكاياتها .. تريد الهرب من كافة التفاصيل الممكنة التي تعيدها إلى نقطة البداية. كل الأبواب المغلقة فتحت .. أصبحت هي في مقابلتها .. وحدها تتذكر! .. تبحث عنه فلا تجده .. لا تعرف كيف انفتح الباب على مصرعيه تتساقط منه المشاهد وكأنه صورة حية تنبعث بالحياة وبالحنين .. مشاهد تحمل من القلق والموت قدر ما تحمله من الحياة. مشاهد تحمل من الفزع ما ينزع من عينها النوم .. تهرب!

تجري في الطرقات هاربة .. تركض من السؤال .. تركض من كافة الأسئلة! تبحث عنه .. تبحث عن مأوى .. عن مدفن .. عن بعض السكينة الخاطفة .. تركض أكثر .. تركض ركضًا غريبًا مشتتًا لا يقصد أي مكان.

في المساء تحدث عمي كثيرًا، أخذ يجمع حبات الكلام من هنا وهناك .. يحدد المكان. يحدد الزمان. ولا يكف عن الحديث.

قلت استرح يا عمي الآن، وفي المساء تكمل لنا الحكاية!

قال: مضى عهد الراحة يا بنيتي .. قد تروين الحكاية يومًا لأولادك .. من ثم رحت أنصت كما ينصتون!

أخذ عمي يحدثني عن الطنطورة وعن أبيه وعن طفولته بالتفاصيل .. لا ينهي حديثه إلا بالحديث عن يوم خلافه مع أبيه، وهو يبكي .. أجلس على الفراش جواره .. أربط على كتفه .. وأنام .. أحدثه .. لا يرد .. رحل!

تبدو كلمة الرحيل في مجملها مرعبة، كلمة تحمل بين حروفها لوعة قلب .. ألم .. حزن .. وفاجعة .. فاجعة الرحيل التي لا تكف عن الظهور .. ما معنى رحل؟ لا ليس الرحيل أن تُترك المسافات دون وصال .. وعهدي أن الله يكمُنُ في الوصال.

رحل عمي .. وذهبت رقية .. ورحلت مريمة .. وماتت رضوى .. ورحل هو .. رحل الجميع! وحدي على قارعة الطريق المهمش .. أركض دون أن أدري … يطير الهواء كل شيء حولي .. يغير ملامحي .. ويطبع قبلته الدامية على جبيني! ويتركني أنتظر!

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى