التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

لمن سلمت مفتاح “رقية”؟

كتب: وجدي الكومي

وجدي الكومي
وجدي الكومي

 

 

 

 

 

في هذه اللحظة التي تودعنا فيها “رضوى عاشور”.. في هذه اللحظة الحزينة جدًا من عمر الوطن.. يحق لنا أن نسأل أنفسنا.. من سلمته رضوى مفتاح منزل “رُقية” في الطنطورية؟

في روايتها الكبيرة “الطنطورية” الصادرة عام 2010 تضعنا مرة أخرى “رضوى عاشور” أمام أنفسنا، وأمام صمتنا العاجز، وأمام فداحة خسارتنا، بهذه الرواية الكبيرة عن المآساة الفلسطينية، تخوض غمار كتابتها بدأب وقوة، غير مبالية بمن سبقها إلى غمار التعبير عن المآساة، وما أكثرهم، ممن وقفوا فى الصف، غسان كنفاني، وإبراهيم نصر الله، وإلياس خوري، وغيرهم، خاضت رضوى عاشور الكتابة عن المأساة، وهي تعرف، ونحن نعرف أيضًا معها، أنها ستترك بصمتها وشهادتها للتاريخ عن القضية.

في هذه اللحظة التي يجب أن أكتب فيها كلمات عن الراحلة، أتذكر مشهدًا من روايتها الرائعة “الطنطورية”، مشهد أم رقية، بطلة الرواية، وهي تسلمها مفتاح البيت، يتحول المفتاح إلى أيقونة الفلسطينيين، أيقونة أمل العودة يومًا للمنازل المهجورة قصرًا، تركتنا “رضوى” وهي التي تحملت انكسارات أبناء جيلها، وشهدت معارك المصريين للتحرر ضد الطغاة المتعاقبين، شهدت إحباطات عمل مخبري أمن الدولة في وظائف جامعية، انتهاكات الحرس الجامعي، اعتداءات البلطجية على الأساتذة “واقعة 4 نوفمبر-أثقل من رضوى” وغيرها وغيرها، ناء قلبها، وتحمل كل هذه الإحباطات، وتحملت، وواصلت المسير، والمسيرة، ينتابنا اليأس والإحباط هذه الأيام، وهي التي ظلت منذ التسعينيات، تحمل الأوراق، وتوزعها في دأب، تشارك في الوقفات، تعلمنا “رضوى” دروسها، نتعلم منها الدأب والصمود، نتعلم منها القوة والاحتفاء بمواجهة الخوف والبطش والطغيان، تكتب لنا صفحات مخيفة عن المذابح في “الطنطورية” وصفحات مرعبة عن طمس الهوية في “ثلاثية غرناطة” وصفحات مقبضة في مواجهة المرض ومعايشته في “أثقل من رضوى” كتابها الأخير، الذي يحوي كذلك صفحات من الأمل، والحنين للاحتفاء بالثورة كذلك في المقاطع التي ضمنتها عن الثورة التونسية، المقاطع التي وضعت فيها عبارة الشاب التونسي الذي خرج يحتفل في الشوارع التونسية بفرار بن علي، مرددًا: “السفاح القاتل هرب.. بن علي هرب.. بن علي هرب.. بن علي هرب..

حينما احتفت دار الشروق بروايتها “الطنطورية” في 2010، جلست رضوى عاشور في مكتبة الشروق بالزمالك، التي اكتظت عن آخرها بمحبيها ومريديها، جلست أمامها نسخًا من الرواية، تتحدث عن ظروف كتابتها، في هذا اليوم تلقيت درسًا من الروائية الكبيرة الراحلة، جعلني أتأنى في نشر كل ما أكتبه، أتذكر هذا اليوم كأنه كان أمس، كان ذلك يوم الأحد السابع عشر من مايو عام 2010، توجهت إلى مكتبة الشروق بالزمالك لتغطية توقيعها للرواية الجديدة، هذه هي المرة الأولى التي ألتقيها فيها، بعدما جمدت الدم في عروقي، وهي تروي قصصًا مريعة، عن العرب الذين تم إجبارهم على تغيير ديانتهم إلى المسيحية، وتغيير أسماءهم إلى أسماء قشتالية، أنظر إليها في شغف، وأسأل نفسي، كيف أرعبتني إلى هذا الحد، كيف سرت في جسدي قشعريرة ما بينما أقرأ روايتها “ثلاثية غرناطة” والتهم صفحاتها في لهفة وخوف، على الرغم من حجم الرواية الكبير؟

جلست رضوى تتحدث عن الرواية التاريخية وعن الطنطورية وعن المذابح التي صورتها في العمل، قالت رضوى عن كتابتها للطنطورية :”ليس من الحكمة أن يتحدث الكاتب أو الروائي عن روايته قبل أن يقرأها الناس كي لا يصادر على ما يرونه فيها.

ووصفت رضوى كتابة الروايات بالعفاريت، لا أنسى بعد مرور هذه السنوات كلمتها بينما تشدد أن قصة المأساة الفلسطينية عاشت داخلها منذ طفولتها، لكنها فجأة.. ظهرت مثل العفريت، هكذا تصف “رضوى” كتابة الروايات، بإنها مثل العفاريت، تظهر فجأة.

منحت “رضوى” لقرية الطنطورة على الساحل الفلسطيني التي تبعد 24 كيلو مترًا جنوب حيفا، خلودًا في روايتها “الطنطورية”، من منا يعرف قصة المذبحة البربرية التي جرت فيها فجر 23 مايو 1948، رضوى أعادت ذكر الحكاية على لسان “رقية” بطلة الرواية، منحتها وجودًا.

في الندوة كشفت رضوى أن مذبحة الطنطورة ربما تفوق مذبحة دير ياسين، في التاريخ الفلسطينى. ولكن كيف تعالج الحدوتة في سياق أدبي ونص لا ينفر قارئه؟ هكذا تمنحنا رضوى المعلمة درسًا في كتابة الرواية، قالت آنذاك في الندوة: قرأت الكثير من تفاصيل الواقع الفلسطيني، وعززت معارفي بالنكبة واستمعت لشهادات مسجلة من المنكوبين الفلسطينيين، ودققت كثيرًا في المسافات بين الخرائط، كل هذا الجهد الذي بذلته رضوى طوال فترة الكتابة، إضافة لتعليقها خريطة كبيرة لفلسطين على حائط منزلها لتعرف المكان الذي تكتب عنه بشكل أكبر منحني فيما بعد تقنيات كتابة الرواية، الخريطة، والتوثيق، قالت رضوى آنذاك: التاريخ والجغرافيا لا يحلان للروائي كل مشاكله، فهناك مشاكل تخص نص يكتب حكاية حزينة وثقيلة، وكنت أتساءل ما الذي أفعله كي لا يختنق القارئ بين يدي؟ ماذا أفعل؟ أضحكه افتعالا؟ فأي افتعال ممجوج وثقيل، والحقيقة أني تركت نفسي لأصابعي على الكمبيوتر، واكتشفت أن حتى الحكايات الحزينة الثقيلة يفرح بها الناس حتى وهم أسفل وطأة النكبات، وهذا ما أسميه المقاومة، وأنا رأيت في الضفة الغربية وفي غزة، مشاهد الأمهات وهم يحمون أطفالهم ويرسلوهم للمدرسة، حتى بعد أشد الضربات التي يتعرضون لها.

حكت رضوى قصة أوردتها في الرواية عن ولد صغير في مدرسة المخيم استيقظ من نومه، وسأل عن شقيقه، فأخبرته أمه أنه ذهب إلى المدرسة، فذهب حافي القدمين إلى المدرسة، وهناك اعترض المدرس على دخوله بهذا الشكل، فقال له: شبشبي لابسه محمد، وفط متربعًا في حوض قديم، وقال للمدرس: كمل أنت الدرس بتاعك وأنا كدا مستريح. وعلقت على القصة قائلة: حاولت بهذه القصص أن أوزن حكاية المجزرة بحكاية من الحياة، فأنا لم أكتب كتابًا في التاريخ، وإنما كتبت رواية، وكل كاتب أو كاتبة يطمح حين يكتب، أن يتدخل في التاريخ. أريد أن تصبح الطنطورة جزءًا من تجربتنا، وأن تصبح صيدًا القديمة بحاراتها جزءًا منا، وأريدكم أن تعرفوا هؤلاء الناس الذين أحببتهم هناك.

نُشر في جريدة القاهرة، الثلاثاء 9 ديسمبر 2014

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى