التخطي إلى شريط الأدوات
لقاءات وحوارات

محمد ربيع: أحاول الالتزام بأناقة لغة طه حسين لكني أفشل في ذلك كل مرة

حوار: عزمي عبدالوهاب 

 

لا يزال الروائي “محمد ربيع” مقيما في محطة الرواية لا يبرحها، منذ أن كتب روايته الأولى “كوكب عنبر” التي فازت بجائزة ساويرس، وكانت نتاج المشاركة في ورشة خاصة بالكتابة، ثم جاءت روايته الثانية “عام التنين” والثالثة “عطارد” بأجوائها الكابوسية، ولم يتخل فيها أيضا عن سمة ملازمة له، وهي التوثيق للوقائع والشخصيات التي تحمل أسماءها الحقيقية.

وبرغم أن “ربيع” أنشأ موقعا لروايته الأولى على مواقع التواصل الاجتماعي، لكنه يقر بأنه لم يستفد من تلك المواقع إلا بالترويج لكتاباته، مع إيمانه بأن مواقع التواصل لا تقدم إلا نمطا محددا من اللغة، يرتبط بطول النص المنشور ودرجة بساطة اللغة، واستحالة بناء نسيج متشابك، وبالتأكيد عدم وجود أي قواعد لغوية تحكم ما يُكتب.

باختصار التأثير ضئيل جدا، ولو قرر المرء البحث في المدونات التي انتشرت منذ سنوات على الانترنت، لوجد أن لها تأثيرا أكبر على الكتابة، وذلك لتوافر جدية ومثابرة، تغيبان عن المكتوب في مواقع التواصل الحالية، هكذا يرى “ربيع” المسألة وهو معنا في هذا الحوار.

  • مفهومي عن الإبداع أنه مشروع فردي فكيف تكون روايتك الأولى “كوكب عنبر” نتاج ورشة أدبية؟

الإبداع كذلك بالفعل، والتجربة الأولى كانت لكسر هيبة الكتابة، وبعد استكمالها ظل لديَّ خوف، ماذا إذا لم أتمكن من الكتابة بعدها إلا في وجود ورشة؟ لكن هذا الخوف تلاشى بعد صدور الرواية الثانية، مع ذلك، أكون حريصًا على عرض العمل بعد الانتهاء منه على مجموعة من الأصدقاء المقرَّبين، للاستماع إلى آرائهم وتعليقاتهم، وبالتأكيد هناك نقاش يدور أثناء كتابة الرواية بيني وبينهم حول التقدم في العمل وضبط تفاصيله والعمل البحثي المصاحب له.

  • في أي زاوية كان تدخل الآخرين في عملك؟

على سبيل المثال، كان تدخل الأصدقاء في رواية “عطارد” حازما على عكس ما سبق، أبدى صديقان أعتز بهما الملاحظات نفسها تقريبا، وهما حسن ياغي مدير دار التنوير في لبنان، وياسر عبد اللطيف الشاعر والروائي، وقد نفَّذت معظم ملاحظاتهما، كما أبدى آخرون ملاحظات عديدة، وبالطبع قرأت كل شيء بعناية لكني لم أنتبه إلا لما رأيته مريحا، وأقول مريحا لأن الأمر يتحول في نهاية العمل إلى شيء غير منطقي، بالنسبة للكاتب على الأقل، وأعني أني قد أترك جملة أو مشهدا دون تعديل فقط لمجرد أني أراه ضروريا، حتى وإن اجتمع الجميع على أنه عكس ذلك.

  • شاركت في ورشة أقيمت في أبو ظبي نظمتها جائزة البوكر العربية ما مدى استفادتك من هذه الورشة؟

هذه كانت ورشة ممتعة جدا، والحقيقة أن الاستماع للعديد من اللهجات العربية المحتلفة في وقت واحد كان أفضل ما في الورشة، والالتقاء بمبدعين من العالم العربي كافة كان أمرا مثيرا للاهتمام فعلا، هناك أفكار واتجاهات عديدة تشغل الذين اشتركوا في تلك الورشة، وربما كان كل مشارك مثالا واضحا على بلده واهتماماتها وقضاياها، هناك من كان يحاول سرد تاريخ بلده من خلال تاريخ عائلته، هناك من وصف شقاء أهل بلده الباحثين عن المفقودين والموتى جراء انفجار في بغداد، وهناك من ترك كل هذا ولجأ للخيال المغامر، بعيدا عن أحوال البلد وأهلها، وبالمصادفة كان ذلك الزميل قد ترك مسقط رأسه منذ مدة ويعيش الآن في بلد آخر، ولا أنسى بالطبع لطف ودماثة المشرفين على الورشة، الأستاذ أمير تاج السر والأستاذة إنعام كجه جي.

  • هل هناك اختلاف بينها وبين ورش إبداعية مصرية شاركت فيها؟

هناك اختلاف كبير، هذه كانت ورشة مكثفة جدا، كذلك تم التعامل معنا على أننا كتاب محترفون، ويمكن التعامل معها على أنها كانت جلسات استماع لنصوص مكتوبة، لكنها لم تكن ورشة بالمفهوم الشائع هنا في مصر، ولا أعرف أهداف المؤسسة المنظمة للورشة، وهي مؤسسة جائزة الرواية العربية، لكني أظن أن أحد أهم الأهداف هو الاحتكاك بالكتاب العرب في إطار جاد وعملي.

  • لماذا بدا “جيمس جويس” هو الأكثر تأثيرا عليك في بداياتك؟

ربما لأني قرأت عن أعماله دون أتمكن من إكمال قراءة “عوليس” أبدا، كذلك سحرني خلود كتاباته على الرغم من صعوبتها.

  • ألم تتأثر بكتاب مصريين وعرب؟

بالطبع، تأثرت بمثابرة نجيب محفوظ، وقدرة عبد الرحمن منيف على الإطالة دون ملل، واستخدام جمال الغيطاني للتاريخ، وأحاول الالتزام بأناقة لغة طه حسين، أقول إني أحاول لأني أفشل في ذلك كل مرة!

  • في أعمالك الإبداعية أسماء ووقائع حقيقية ما الحد الفاصل بين الإبداع والتوثيق كما تفهم المسألة؟

لا أستطيع وضع خط فاصل بين الاثنين، لكني أخلط بينهما لتدعيم الخيال، ولإقناع القارئ بأنه ليس كذلك، الخيال نوع من الكذب في النهاية، ويجب تطعيم الكذب بالقليل من الحقيقة كي يكون مقنعا.

  • هل اتكاؤك على أحداث وشخصيات حقيقية محاولة للتخفف من أجواء فانتازية تغلف عملك؟

عمرك أطول من عمري

  • كيف يختلف تعاملك مع الأرشيف عن غيرك ممن استخدموا المادة الأرشيفية في إبداعهم؟

الانترنت فتح أبوابا لا حدود لها فيما يخص الأرشيف، خاصة إذا ما كان مرتبطا بجامعة أو مكتبة أو مؤسسة أجنبية، هذه الكثرة ربما أثرت بشكل إيجابي على درجة وضوح موضوع البحث، لكنها أيضا أثرت سلبا نظرا لكثرة وتضارب المعلومات في معظم الأحيان، في النهاية الأمر يرتبط كثيرا بمدى تعمّق الحقيقة في ما أكتبه، وهو بشكل عام قليل ولا يتعدى الجغرافيا الدقيقة وبعض الأسماء الحقيقية، ولهذا أكون حريصا على التطلع إلى خرائط المكان الذي تدور فيه الأحداث، وحساب مسافات المشي أو السفر من مكان إلى آخر، وبالطبع التأكد من تواجد أصحاب الأسماء الحقيقية في أماكن الأحداث وساعتها.

  • أنشأت موقعا على الانترنت باسم روايتك الأولى “كوكب عنبر” هل كان هدفك ترويجيا؟ ما طبيعة هذا الموقع؟

نعم، كانت فكرة ترويجية، لكن الأمر انتهى مع مرور الوقت، وأصبحت هناك بدائل عدة للموقع، الترويج ليس جزءا من الكتابة بالتأكيد، لكنه جزء من عملية انتشار الكتاب، وما دمت قد قررت النشر فلا بد من المشاركة في توسيع دائرة انتشاره.

  • هناك كتاب يستفيدون كثيرا من مواقع التواصل الاجتماعي على مستوى اللغة والبناء كيف ترى ذلك من واقع تجربتك؟

لم أستفد من مواقع التواصل سوى للترويج للأعمال، أما على مقياس اللغة فأظن أن مواقع التواصل لا تقدم إلا نمطا محددا من اللغة، يرتبط بطول النص المنشور ودرجة بساطة اللغة، واستحالة بناء نسيج متشابك، وبالتأكيد عدم وجود أي قواعد لغوية تحكم ما يُكتب، باختصار التأثير ضئيل جدا، ولو قرر المرء البحث في المدونات التي انتشرت منذ سنوات على الانترنت، لوجد أن لها تأثيرا أكبر على الكتابة، وذلك لتوافر جدية ومثابرة، تغيبان عن المكتوب في مواقع التواصل الحالية.

  • فازت روايتك الأولى بجائزة ساويرس هل كنت محظوظا؟ ما أهمية الجائزة بالنسبة لك؟

بالطبع! لم أتخيل أبدا أني سأفوز، وكدت أن أقول للسيدة التي اتصلت بي من مؤسسة ساويرس لتعلمني بالفوز: هل هذه مزحة؟ منح جائزة لعمل أول أمر مؤثر فعلا، وربما يكون كلامي تقليديا لكنه حقيقي، الجائزة تضع مسؤولية أكبر على الكاتب، فهو يتأكد حينها أن الناس يقرأون ما يكتب، ويتابعونه، ويعرف أن لجنة من كتاب ونقاد وصحفيين قد قرؤوا عمله وتناقشوا بخصوصه وربما اختلفوا عليه، ويصير كل هذا حاضرا في رأس الكاتب أثناء علمه بعد ذلك، وربما كان لهذا تأثير سلبي، على اعتبار أن الكاتب يجب أن يظل حرا طوال الوقت، وألا يتأثر بجوائز أو بغيرها، لكن في النهاية هناك اعتبارات لا يمكن الإفلات منها.

  • تحدثت عن روايتك الثانية “عام التنين” الصادرة في العام 2012 قائلا: “قد يقصد الواحد أن يحكي حكاية محددة ثم يجد نفسه في النهاية يحكي شيئا آخر” ألا تتحكم في مصائر شخصياتك؟ هل يمكن أن يحيد الحدث عن مسارات رسمتها له قبل الكتابة؟

يحدث هذا كثيرا، لكنه لا يخرج عن الإطار العام للأحداث، وهو ما تكرر في الروايتين الأولى والثانية، لكنه لم يحدث مع الثالثة، كانت المسارات في “عطارد” واضحة، واستفدت من أخطاء التجربتين السابقتين، وأمضيت وقتا أطول في التخطيط والبحث قبل الشروع في الكتابة، ولم أستسلم لتحولات مصائر الشخصيات كما حدث سابقا.

  • هل كنت تريد أن تقول إن الثورة فشلت من خلال روايتك “عطارد” الصادرة حديثا؟

بالطبع هذا ما يظهر على السطح، وأعني تماما أنها فشلت، لكن هذا أحد جوانب رواية “عطارد” وربما لأن خسارتنا كانت هائلة، والتي تتضح الآن بشكل أكثر ضخامة وبشاعة، أردت أن أقول إن كل الأشياء تؤول إلى الفشل، وما النجاحات في حياتنا إلا هدايا بسيطة وصغيرة، يرميها القدر في طريقنا كي نستطيع البقاء على قيد الحياة.

  • لماذا تبدو الأجواء الكابوسية حاضرة دائما في أعمالك؟

تطور الأمر من “كوكب عنبر” حتى “عطارد” وأدرك تماما أن الكابوسية وصلت للذروة في “عطارد” وربما كنتُ قادرا على التحكم في الأجواء في “عام التنين” وحرصت على التقليل من تلك الأجواء، لكن “عطارد” كانت غير قابلة للسيطرة، وكتبت الأحداث السوداوية دون أي تردد، أنت تعلم أن الرقيب الداخلي يظل يحدثك طوال فترة الكتابة، لكنه كان صامتا تماما طوال فترة كتابة عطارد.

  • تعمل مهندسا مدنيا ما الذي أفدته من هذه المهنة على المستوى الإبداعي؟

عملت مهندسا لأكثر من عشر سنوات، وتغير ذلك مع بداية عام 2014 وحتى اليوم، أعمل الآن محررا في دار التنوير للنشر في القاهرة، الهندسة تعتمد أساسا على خلق نماذج رياضية على الورق لما سيتم بناؤه أو تصنيعه، والهدف من النموذج (المخطط) هو تجنب الأخطاء أثناء التنفيذ والتصنيع، والتحسب لكل المفاجآت الوارد حدوثها أثناء وبعد التصنيع، وهذه الطريقة في التفكير تسيطر على حياة المهندس مهما حاول تجاهلها، وهو بالطبع حاصل عندي في الكتابة، ولا أحاول الهروب منه، بل أحاول طوال الوقت إحكام تخطيط الرواية قبل البدء بكتابتها، الأكثر من ذلك أن الروايات تأتي سمترية ومشهدية كما يليق بعمل مبني بأصول هندسية فعلا، لا يمنع هذا من وجود تجاوزات مقصودة لتجميل العمل الفني، وهفوات لا يستطيع الواحد تجنبها لتعقد العمل الروائي ولقلة الخبرة.

  • ألم يغرك النجاح الذي حققته روائيا في التفرغ للكتابة؟

حتى الآن لا أعرف من يتفرغ للكتابة في مصر، ربما كان ذلك موجودا في الخارج، وأيضا على نطاق ضيق، لكن نظرا لقلة أرباح الكاتب مما يكتبه فهذا مستحيل في مصر، هناك أصلا مشاكل أخرى تشغل الكاتب، منها إخراج العمل في صورة جيدة ونشره على نطاق واسع وأشياء أخرى، قد يقود كل هذا لأرباح ما، لكني أظن أنها لن تكون كافية.

وأود أن أضيف أني لا أعرف صفة للنجاح، وأتعجب كثيرا حينما أعرف أن مجهولا قرأ ما أكتب، أو أنه يعرفني ويتابع عملي!

  • لماذا لم تكتب القصة القصيرة؟ هل تراها فنا صعبا؟

بين الرواية الأولى والثانية كتبت عددا من القصص، ولم أوفق في نشرها، على كل حال هي فن أصعب كثيرا من الرواية، ولا أظن أن ما كتبته من قصص يرقى إلى درجة النشر حقا، وربما حاولت تحسينه في وقت ما، وربما كتبت قصصا أخرى خلال فترة الراحة بين عمل وآخر، لكن حتى الآن فالرواية هي ما أود كتابته بحق.

 

الحوار نقلا عن مجلة الأهرام العربي

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى