التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

نريد أن نتحدث عن رضوى عاشور

كتبت: د. سهير المصادفة

سهير المصادفة
سهير المصادفة

 

 

 

 

 

ليلة الأحد الماضي، كنتُ أشاهد فيلما فاتنًا بعنوان (نُريد أن نتحدث عن كيفن) وهو مأخوذ عن رواية بالعنوان نفسه للكاتبة الأمريكية الرائعة ليونيل شرايفر، والحقيقة أنني كنتُ أشعر بالسّعادة والبهجة، وحتّى بشيء من الفخر ربما، وأنا أتابع أحداث الفيلم، التي كنت أعرفها جيدًا وأتحمس لها، بل أحفظ كلَّ تفاصيلها، ذلك أن رواية “شرايفر” التي أثارت ضجة منذ ثلاثة أعوام في المشهد الأدبي العالمي هي أحد إصدارات سلسلة الجوائز التي أَشرفُ عليها بالهيئة المصرية العامة للكتاب.

كنت أشاهد آخر لقطات الفيلم، وكنتُ أجاهد أن أتماسك ولا تفيض مني دمعة، حين رنّ جرس الهاتف. وبلغني النبأ الذي كنت أتوقعه للأسف الشديد:- البقاء لله يا دكتورة، المبدعة رضوى عاشور رحلت منذ قليل. ممكن حضرتك تفيديننا بكلمة حول الفقيدة؟

أُملِي الصحفية الشّابة المتلهفة لإنجاز ملفها بعض السطور، وأنا مُشوشّة الذهن تمامًا. وأغلق الخطّ حال سماعي كلمة الشكر. يبدو وأنني قلتُ لها ما رأت أنّه يكفي. ويبدو وأنني تجاوزت عدد الكلمات المطلوبة والمُخصصة لي.

رضوى عاشور فاضت عن جسدها الذي أضناه المرض ونخره الداء بعد نضال ومقاومة مستميتة ولسنوات إذًا. وها هي ذي روحها النقية تسبقنا متخففة ما أمكنها من الودائع والأمانات. لقد تركت لنا كلَّ شيء في دفاترها، وغادرت حتى دون الحاجة لوصية إضافية لعائلتها الصغيرة. ولم تكن فعلاً في حاجة لذلك، فقد عاشت طيلة حياتها مع شاعر أحبته بصدق، في شخصه ونصه. وأنجبت شاعرًا أحاطته بعنايتها وسقته من روحها حتى أشرق.

أتابع بشرود أسماء الممثلين وأماكن التصوير وشركات الإنتاج وهي تتواتر على الشاشة، معلنة نهاية الفيلم. وفجأة أهم بقلمي وبورقة وأخط عنوان الفيلم الذي كنت أشاهده، مع تغيير الاسم.. نعم: (نريد أن نتحدّث عن رضوى عاشور).

ولكن، ماذا سنكتبُ بعد ذلك؟هل نكتبُ مثلاً أنها ولدت بالقاهرة وأنها درست بكلية الآداب فيها وأنها نالت شهادة الدكتوراه من الولايات المتحدة بأطروحة رائدة حول الأدب الإفريقي الأمريكي. وأنها الأستاذة المجتهدة النابهة التي ظلت تدافع عن البقية الباقية من مجد الجامعة المصرية وتندد بالسرقات العلمية لبعض الأساتذة الذين جلسوا على كراسي الكبار في غفلة من الزمن، أو نكتب عن معاناتها كثيرًا في بداية طريقها، بسبب قرار غبي ومتسلط قضى بمنع زوجها الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي من الإقامة في مصر. هل نتحدث عن مرضها المزمن الذي عانت منه لسنوات طويلة جدًّا، وعن الداء العنيد القاسي الذي كان يقشر جذوة روحها، ويعبث بنسيج آمالها كلَّ صباح، قبل أن ينتصر على جسدها، ويطفئ ابتسامتها الوقورة المتحديّة؟

أو لعله من الأفضل أن نترك كلَّ ذلك، ونتحدث عن رضوى عاشور الأديبة المبدعة المسكونة المنذورة، وعن آثارها المتينة التي تملأ الرفوف ما بين الرواية والقصة والترجمة والكتب النقدية والدراسات والبحوث والترجمات والتي بلغت العشرين مؤلفًا، منها ستة روايات فاتنة، فضلاً عن العديد من المخطوطات؟

فكرت في كلّ ذلك، وأنا أسجل بدقة تواريخ نشر مؤلفاتها، وأسماء دور النشر. لكنني عدلتُ عن الأمر كلّه وأحسستُ بعدم جدوى كتابة ورقة التأبين أصلاً.

خطر لي فجأة أنّ التأبين مجرد تلويحة وداع لطيفة، نسلّم بعدها المسافر إلى المسافة والغياب. ولكنّ رضوى عاشور، تستحق أكثر من ذلك. تستحق الآن أن نعكس الصورة، وأن نهب لاستقبالها في قاعة الوصول وليس توديعها عند باب قاعة المسافرين.

رضوى عاشور، مبدعة كبيرة، آن لنا أن نعيد قراءتها، وأن نحتفي بها كما يليق بكاتبة كبيرة، لا تقل مكانة ولا تمكنًا ولا موهبة ولا ألمعية عن أعظم كتاب هذا القرن المشحون. وإذا كان أنها رحلت عنا وهي تحس بالمرارة والغبن كوننا مارسنا عليها كلّ أبشع أنواع القمع، وأشدّها على المبدع، وهي الصمت واللامبالاة والسماح بصعود أنصاف وأرباع المبدعين بحيل غربية لا نمتلك نقاء تنفيذها مثل الجوائز الأدبية أو الأكثر مبيعًا التي صارت بمثابة مزحة ثقيلة، وإذا كان أنها لم تطالب يومها بحقّها في جائزة مصرية كبيرة، وهي التي رشّحت لجوائز عالمية كبرى، وإذا كان أننا تواطأنا جميعًا، ولم نخرج محتجين ولم نطالب مؤسساتنا المترهلة ونقادنا الرسميين بتكريمها كما يليق، وهي على قيد الحياة. فليس أقل من أن نكف الآن وفورًا عن تحبير ديباجة الوداع، وأن نطالب على الأقل بجائزة أدبية سنوية، ونصبٍ يخلدان اسمها للأدب النسوي إسوة بجائزة “الأورانج” التي حازتها الكاتبة الأمريكية “شرايفر”. وأن نشرع في حثّ طلابنا على التقاطع مع أعمالها الفذةّ.. ذلك أن رضوى عاشور في نظري أحد أهم رموز الأدب العربي الحديث، ويا كم مازلنا نجهل رواياتها من عمق وفتنة، من حقنا أن نفاخر بها نحن الآن ونباهي قبل أن يسبقنا الغرب كالعادة، ويقودونا بإشفاق إلى منابعنا وينابيعنا العالمية المذهلة.

نُشر في جريدة القاهرة، الثلاثاء 9 ديسمبر 2014

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى