التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

ها قد رحلت.. فلماذا أنت حزين؟

كتب: ياسر شعبان

ياسر شعبان
ياسر شعبان

 

 

 

 

 

رحلت د. رضوى عاشور، فلماذا أنت حزين؟ لم تلتق بها يومًا، لم ترها حتى، لم يدر بينكما حوار على التليفون، وماتت، فلماذا أنت حزين هكذا؟ حتى ابنها “تميم” لا تعرفه، بل ربما لديك موقف سلبيًا تجاه بعض أرائه ومواقفه رغم إعجابك بحضوره وثقافته، لم لا فهو ابن الروائية والأستاذة الجامعية د. رضوى عاشور، والشاعر الكبير مريد البرغوثي.

حزين، وكأنك فقدت شخصًا تعرفه منذ زمن طويل، وبينك وبينه عشرات الذكريات والتفاصيل والمواقف.

نعم، أعرف د. رضوى عاشور منذ زمن طويل، منذ قرأت روايتها الأشهر (ثلاثية غرناطة)، وتوطدت علاقتي بها بعد قراءة سيرتها الذاتية (أثقل من رضوى).

رحلت رضوى.. فلماذا أنت حزين؟

لم تأكل في منزلها الفطائر المكسيكية التي صنعتها بيديها مثلما فعل الصديقان حمدي عبد الرحيم وأشرف عبد الشافي، ولم تسمعها وهي تنهر أحد المشتغلين بالنقد لأنه اختار كتابًا لها أفضل ما قرأ رغم أنه لم يحصل عليها منها سوى أمس فقط.

لم تجلس بين الطلاب لتنصت لها وهي تتحدث عن التاريخ والحب والموت والوطن والكتابة.

ولم تقابلها بين الجموع بعد عودتها من أمريكا شاحبة، بعد رحلة علاجية من مرض لا شفاء منه غالبًا فهو الموت المستتر، لتقف بين الشباب طوال عامين رفيقة كما كانت دائمًا لمريد وتميم وعشرات الأصدقاء.

رحلت رضوى عاشور، فأخذني الزمن فجأة لعام 2000، بعد انتهاء أزمة الروايات الثلاثة، وكنت قد تقدمت بروايتي “أبناء الخطأ الرومانسي” لجائزة الدولة التشجيعية، في محاولة للعب مع وزارة الثقافة لا أكثر ولا أقل. وبعد شهور، اتصل بي الأستاذ مصطفى عبد الله ليسألني: هل تقدمت بروايتك/الأزمة للحصول على جائزة الدولة التشجيعية؟ فسألته: وكيف عرفت؟ فأجابني: روايتك وصلت للتصفية النهائية والدكتورة رضوى عاشور ترى أنها الأحق، وتريد منحها الجائزة، والباقون خائفون من ردة فعل وزير الثقافة ود. جابر عصفور، ثم سألني: لماذا تقدمت بروايتك لهذه الجائزة؟ هل تتحدى وزير الثقافة؟

وحينها شعرت أنني حصلت على الجائزة، طالما د. رضوى اختارت الرواية، فهذا يكفيني. لكن الأهم حينها أنني تأكدت حينها أن هناك من تتسق مواقفهم في الواقع مع ما يقدمونه في كتاباتهم. واستعدت بعضًا مما فقدت من ثقة في الثقافة والمشتغلين بها

الكتابة.. الحياة والهوية

في حوار مع الروائي التشيكي ميلان كونديرا (حاوره الروائي الأمريكي فيليب روث، وترجمته ونشرته في أخبار الأدب قبل 14 سنة) كان هذا السؤال وتلك الإجابة:

– روث: يبدو لي أن فكرة تدمير العالم تشكل خلفية كل القصص التي يضمها “كتاب الضحك والنسيان” بل وتلقي بظلالها حتى على القصص ذات الطبيعة الساخرة.

– كونديرا: إذا أخبرني شخص ما وأنا طفل أنه سيأتي يوم وأشهد فيه تلاشي بلدي من العالم كنت سأعتبر ذلك نوعًا من الهراء؛ شيئًا لا أستطيع حتى أن أتخيله، فالإنسان يعرف أنه كائن فانٍ لكنه على يقين أن بلده خالدة. ولكن بعد الغزو الروسي عام 1968 أصبح كل مواطن تشيكي في مواجهة رعب أن دولته قد تختفي من الخارطة الأوروبية، تمامًا مثلما حدث خلال العقود الخمسة الماضية أن اختفى (40 مليون) أوكراني من العالم دون أن ينتبه أحد لذلك. كذلك الحال بالسبة لليتوانيا. هل تعرف أنه خلال القرن السابع عشر؛ كانت “ليتوانيا” دولة أوربية قوية؟ واليوم تضع “روسيا” الليتوانيين تحت التحفظ كما لو كانوا مهددين بالانقراض، ويحولون دون وصول زوار لهم ليمنعوا تسرب أية معلومات للخارج عن وجودهم. ولا أعرف ما يخبئه المستقبل لبلدي. ومن المؤكد أن الروس سيبذلون كل ما في وسعهم لتذوبيها تدريجيًا في حضارتهم. وليس بمقدور أحد أن يخمن هل سينجحون أم لا. لكن ذلك ممكن. والإدراك المفاجئ لوجود هذا الاحتمال كاف لتغيير رؤية المرء للحياة. فأنا اليوم أرى أوروبا كلها كيانًا هشًا وفانيًا.

وتحققت مخاوف كونديرا ونبوءته، وتفككت تشيكوسلوفاكيا ويوغوسلافيا والاتحاد السوفيتي ذاته، وهكذا اختفت دول من الوجود، لم تختف بوصفها أرضًا بل بوصفها تراثًا وثقافة وهوية.

وهذا السؤال نفسه الذي شغل د. رضوى عاشور، وكأنها ولدت مع هذا السؤال القدري أو كأن قدرها ولد معها، فهي المولودة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بعام، وقبل نكبة فلسطين والعرب بعامين في 1948. ولأنها ولدت وبداخلها جينات التوحد مع ما تعتقد به من أفكار ومبادئ، أحبت وتزوجت فلسطينيًا، ولم يكن مثل أي مواطن فلسطيني، بل كان أحد الأصوات الشعرية المعبرة عن القضية الفلسطينية والواعية تمام الوعي أن المعركة معركة هوية وليست معركة أرض ومكان، إنه الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي.

ولهذا كان التاريخ / الهوية عنصرًا رئيسًا في كثير من رواياتها (ثلاثية غرناطة، الطنطورية، تقارير السيدة راء، وفرج، وهي التي قالت في إحدى حواراتها: كل الروايات تاريخية بمعنى من المعاني، فللرواية علاقة خاصة بالتاريخ تميزها عن بقية الأجناس الأدبية، وشخصياتها فاعلة في واقع تاريخي بعينه يشكِّلها وتتفاعل معه ولا يقتصر الاشتباك مع قضايا الحاضر على الروايات التي تجري في الحاضر، بل يمتد إلى الروايات التي تدور أحداثها في الماضي.

وهكذا كلما قرأت عملًا لرضوى أو قرأت حوارًا معها، تأكد لي أنها واحدة من قلائل شغلوا جزءًا غير صغير من وعيي أثناء كتابة “رواية أبناء الخطأ الرومانسي”، بل تكاد تكون نموذجًا إنسانيًا حيًا وفاعلا لأبناء الخطأ الرومانسي، الذين لا فرق لديهم بين الأفكار والحياة، بين الكتابة والواقع، بين الخاص والعام، بين الأنا والآخر.. فطالما صدقت شيئًا فإنه يتحول ببساطة لجزء منها ومن حياتها وأفعالها اليومية العادية. وهي بذلك لا تحتاج لأقنعة أو أصوات مستعارة سواء في الكتابة أو في الحياة.

ومثلما كانت ولادتها مرتبطة بقدر اسمه القضية الفلسطينية، لتصبح هي بزواجها من مريد جزءًا حياتيًا من هذا القدر وليس فكريًا فقط، ويتعمق هذا الانتماء بولادة تميم الفلسطيني – المصري، فهل رحيلها عنا في هذه المرحلة قدر آخر مرتبط بما أطلقوا عليه ثورات الربيع العربي.

ولدت رضوى لتشهد في طفولتها وصباها المبكر ثورة يوليو 52 وأحلام القومية العربية وحركات التحرر الوطني من المحيط للخليج ومن العراق لليمن. وتفتح وعيها مع هزيمة 67 وحرب الاستنزاف وانتصار أكتوبر واتفاقية كامب ديفيد. ولدت في المنيل بمنزل يطل على كوبري عباس الذي فتحه البوليس السياسي وهي طفلة ليسقط الطلاب المتظاهرين ضد فساد الحكم وهزيمة الجيوش العربية في فلسطين، لتشارك وهي شابة يافعة في انتفاضة الطلبة في 17-18 يناير 1977 والتي قمعتها الشرطة وأطلق عليها النظام انتفاضة الحرمية وكانت بداية السقوط في براثن اليمين المتطرف. والآن ترحل بعد أن شهدت انتفاضة شعبية هائلة ضد فساد نظام مبارك، ثم انتفاضة أخرى ضد الإخوان وتنفيذ مخطط سايكس بيكو جديد تحت عنوان “الشرق الأوسط الجديد”.

إنها تجسيد لمرحلة مهمة من تاريخنا المعاصر، تجسيد بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، سواء في مراحل حياتها، وتكوينها لأسرتها، أو فيما شهدته وشاركت فيه من أحداث أو في مواقفها وأخيرًا في كتابتها التي تشكل مكونًا رئيسًا من محاولات معدودة للحفاظ على الهوية العربية.

ولم يكن رحيل د. رضوى هو الثقب الوحيد في القلب والروح، فجواره ثقوب خلفها رحيل الروائي محمد ناجي والذي تشكل تجربته جزءًا آخر في السعي للحفاظ على الهوية العربية، وكذلك رحيل الصديقين سيد فتحي وهاني درويش، لأتلفت حولي في غضب وأتساءل: لماذا أيها الموت تمر على الأحبة وكأنك لا تراني؟

وبالتأكيد عندك حق يا تميم وزيادة لما قلت:

وأمي حافظة شوارع مصر بالسنتي

تقول لمصر يا حاجة ترد يا بنتي

تقولها احكي لي فتقول ابدأي إنتي

وأمي حافظة السِيَر أصل السِيَر كارها

تكتب بحبر الليالي تقوم تنوَّرها

وتقول يا حاجة إذا ما فْرِحتي وحزِنتي

وفين ما كنتي أسجل ما أرى للناس

تفضل رسايل غرام للي يقدَّرها

أمي وأبويا التقوا والحرّ للحُرَّة

شاعر من الضفة برغوثي واسمه مريد

قالولها ده أجنبي، ما يجوزش بالمرَّة

قالت لهم ياالعبيد اللي ملوكها عبيد

من امتى كانت رام الله من بلاد برَّة

يا ناس يا أهل البلد شارياه وشاريني

من يعترض ع المحبة لما ربي يريد

نُشر في جريدة القاهرة، الثلاثاء 9 ديسمبر 2014 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى