التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

«ترميم لوجوه محفورة» حياكة “الألم” في ثوب شعري

 

كتب: إسلام أنور

إسلام أنور
إسلام أنور

 

 

 

 

 

 

غلاف الديوانالقاهرة مدينة  مخادعة، مخيفة تستقبل الغرباء بأحضان دافئة وأضواء لامعة ثم سرعان ما تلقى بهم في دواماتها، في مدينة كهذه يصبح الملاذ الوحيد للإنسان هو وحدته، فالجميع هنا غرباء ومسلوبين.

في المنطقة الوسطى المحاصرة بثالوث الخوف والوحدة والألم ينسج الشاعر والصحفي الشاب محب جميل ديوانه النثري الأول “ترميم لوجوه محفورة” الصادر حديثًا عن دار النسيم، مفتتحًا إياه بإهداء لقدميه التي احتملت وحدته بين الشوارع، ثم يؤكد على هذه العلاقة الوثيقة بين الوحدة والشعر بجملة الشاعر والفيلسوف البرتغالي فرناندو بيسوا التي يفتتح بها الديوان” أن أكون شاعرًا ليس ما أطمح إليه، ولكنها طريقتي كي أكون وحيدًا”، فالوحدة ملاذ من دوامة المدينة، والشعر ملاذ من برودة الوحدة، ومن شبح الموت.

الشاعر والمدينة

من القصيدة الأولى في الديوان تتشكل علاقة الشاعر بالمدينة، هذه العلاقة التي تجمع مشاعر متناقضة، وانتظار دائم، لقطار لا يأتي، وقلب لا يجرح، وأحلام لا تخون، هذه العلاقة الملتبسة مع المدينة والحداثة بكل ما تحمله من تشظي وجنون وحب وكراهية، وانبهار واحتقار، يقول عنها الشاعر في قصيدة “قميص ما بعد حداثي” بكلمات موجزة ومكثفة تتدافع كطلقات قناص محترف لتصيب الهدف “لم أحمل أختام المدينة بفمي/ أنا ابن القرية المزهو بقميصه ما بعد الحداثي/ حاولت التدرب على لعنتها المتكررة/ وفي كل مرة يصيبني الدوار/ كنت أجمع آثار خطواتي فوق مكعبات الرخام/ فقط كي أسدد فواتير قدمي/ التي احتملت وحدتي بين الشوارع”.

هذه العلاقة الملتبسة مع المدينة وحداثتها الزائفة تنعكس على كل شيء، فتقفد الأحلام بريقها، وتتحول إلى كوابيس “في الليل / حلمت أنني تمثال رملي على شاطيء مهجور/ من بعيد كانوا يلوحون بفؤوسه بلاستيكية حمراء/ ودولو يمتلىء بالزبد/ في الصباح استيقظت ولم أجد أطرافي”، وتنعكس أيضاً على الحب والقلب فتصيبهم بالعطب “الجرح الذي تركته قبلتك المرتعشة على خدي/ يتسع كل يوماُ بعد يوم/ إنه عميق لم يبق له سوى ماء الورد الطافح على إطارات الصور/ إنه مر وقريباً سيبتلع شروخ الجدران”.

في مدينة كهذه يصبح الحنين لذكريات الطفولة هو الرهان الباقي والمرفأ الآمن للشاعر “سأظل أدور هنا/ كمروحة بلا كتيب تشغيل/ أشيد مدينتي الخاصة/ بما تبقى من زجاجات طفولتي/ التي انسكب نصفها على قارعة الطريق”.

الموت والثورة

في السنوات الماضية كان الموت هو العنوان الأبرز في حياتنا، كل يوم نستيقظ على عدد جديد من الضحايا، الموت المجاني يطارد الجميع في البيوت ومحطات القطار والميادين العامة، لقد صار الموت أقرب لنا من كل شيء، هذه الحالة من مطاردة الموت للجميع يعبر عنها الشاعر في أكثر من قصيدة محاولاً الإبتعاد بأكبر قدر عن المباشرة والتورط السياسي، ففي قصيدة ” الدفتر الأخير لآندي وارهول” يقدم الشاعر عبر ثمانية مقاطع شعرية صورة موازية للموت الذي رفضه وقاومه الفنان الأمريكي آندي وارهول الذي كان رافضاً لعقوبة الإعدام وللموت المجاني للبشر وعبر عن هذا من خلال صوره الفوتوغرافية الشهيرة مستخدم تيمة “الكرسي الكهربائي” الذي يظهر وحيدًا في غرفة الإعدام وغير مأهول كرمزية للموت ووحشته وكان “آندي” حريص في أكثر من صورة على تكرار هذا المشهد محاولاً الحد من وحشية الموت.

بمهارة وبلاغة وإتقان في وصف المشهد واستخدام التقنيات السينمائية يعرض الشاعر مجموعة من اللقطات المتتابعة التي تعبر عن بشاعة الموت وعداءها للثورة، فالثورة هى صناعة الحياة وليست صناعة الموت “أسندوا ظهورهم إلى الحاجز الحديدي المطلي بالأخضر/ عيونهم كانت تلمع كشجرة شتوية/ في طرف الصورة/ الشرطي يصوب على قمصانهم البيضاء/ الآن الوردة بنيجاتيف أحمر/الصورة باهته/ الشجيرة بلا عصافير/ وأحذيتهم تلعقها كلاب ضالة”.

مرثية للمدينة

يقدم الشاعر في نهاية الديوان رثاء للمدينة المخيفة والكابوثية التي لسنا فقط نعيش فيها، ولكنها أيضاً تعيش بداخلنا، “المدينة بائسة، والشوارع بلا كثمرى. الشتاء جاف وأعمدة الإنارة ليست برتقالية. ثلاث تفاحات على الطاولة، والسكين تسللت من المطبخ. خطوات بلا موسيقى وقمر بلا شرفة. الحليب على الرف، والقطة عبرتها سيارة. الأسماء تتأوه، والبطاقات بلا صلاحية. الحقائب بلا أصابع، والمسافة بلا ملائكة”.

ملحوظة

توقفت كثيرًا أمام عنوانين القصائد التي كتبت بالإنجليزية، مثل “nightmare، sowftware، vegetarian، slince، hierarchy”، وغيرها من القصائد، وطرحت على نفسي تساؤلات كثيرة عن سبب ذلك وضرورته، خصوصاً في ظل وجود معاني عربية واضحة لهذه الكلمات، وفى ظل شعوري بأن الكلمات الإنجليزية لم تضفي خصوصية أو معنى جديد على القصائد، بل على العكس مثلت عائق في تلقى النصوص لذلك أعتقد أنه كان يمكن للشاعر الإستغناء عنها.

نقلا عن جريدة القاهرة 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة