التخطي إلى شريط الأدوات
وشوشة

«جنة الأخوان» .. رحلة الخروج من الجماعة

 كتب: كريم شفيق

كريم شفيق
كريم شفيق

 

 

 

 

 

 

يعد كتاب جنة الاخوان¬ رحلة الخروج من الجماعة، للكاتب الصحفي الشاب سامح فايز، شهادة جديدة ومغايرة لما وقع فيه أغلب المهتمين بشأن الحركات الإسلامية بوجه عام وجماعة الأخوان علي وجه الخصوص كونها أكثر التيارات الإسلامية قوة ونفوذا داخل المجتمعات العربية وتعد تيار رئيس منذ عشرينات القرن الماضي ينافس أيدولوجيات اليمين واليسار بنزاعاته المتباينة وبتوجهاته المغالية والمهادنة فمادة الكتاب الأساسية تجيب عن أسئلة بسيطة ومعقدة حول دوافع المرور من بوابة الجماعة والتراكم الدعوي والتربوي داخلها الذي يجعلك مثلها بناءا مصمتا وصدي لكل صوت  وظل لكل حركة وتابع لاي نشاط أو دور تقوم بها فالكتاب ليس صندوقا أسودا إلا لصاحبه وحدود عوالمه التي خاضت الرحلة وغادرتها.

أغري الطابع السري شبه العسكري الذي يعتمد الطاعة التامة للمرشد العام في المنشط والمكره كأحد شرائط العضوية، ومن ثم، البيعة له، كثيرون من الأعضاء المنشقين عبر أجيالها المتعاقبة الكشف عن الخفي ورفع طبقات السرية والكتمان عمايجري تحت الأسقف المنخفضة والغرف المغلقة من أسرار مكتب الإرشاد وطريقة اتخاذ القرار في مجلس شوري الجماعة ومصادر التمويلات وطبيعة الدور الذي يلعبة التنظيم الدولي وحقيقة حل التنظيم السري من عدمه فبرزت كتب من طراز:” التاريخ السري للجماعة” لعلي عشماوي أحد قادة التنظيم الخاص.

لكن الكتاب الصادر عن دار التنوير بالقاهرة، طبعة 2014، يتميز في عدة جوانب ذاتية وموضوعية، فهو عبارة عن سيرة شخصية وتجربة حياتية يروي فصولها في لغة أدبية مكثفة ومقتصدة والكاتب شاب في العقد الثالث من عمره، لم يحظ بمكانة تنظيمية هامة فضلا عن صفاته التي كانت عائق في سبيل أن يكون ذا حظوة بين صفوف الجماعة وهو ما يفسره المفكر والقيادي المنشق عن الأخوان ثروت الخرباوي في مقدمة الكتاب: ” أن الكاتب من جيل رفض عسكرة الجماعة. ويضيف في جملة ذات دلاله: ” كان كثير السؤال وهي أشياء تقدح في اخوانيته”.

يلفت العنوان “جنة الاخوان” -العتبة الاولي للنص- الإنتباه إلي واحدة من التصورات التي انطبعت في وجدان مؤلف الكتاب وتماهت فيها تعاليم الإمام حسن البنا بتعاليم الإسلام نفسه وأصبحت الجماعة دينا لايقبل التشكيك فيه أو مراجعته وهو ماجعله يستهل عنوان أول فصل في الكتاب “دين الاخوان” التي شطرت العالم صنفين لا وسط بينهما، صنف يحارب الإسلام ويدحض الدين وآخر عميل لأجهزة الأمن وبالتالي يحظر علي عضو الاخوان أن يقرأ خارج مناهج الاخوان ويمتنع عليه الصلاة في غير المساجد التابعة للجماعة ومن استطاع منهم الباء فليتزوج إخوانية تربت علي نهج الاخوان وحتي الرحلات تعتبر تجمعات إخوانية في معسكر أعده الاخوان من أجل أعضاء الجماعة.

كان الخروج عليه عسيرا وبمثابة رحلة شديدة العناء شاقة إلي حد الإعياء، كيف يفلت من الجماعة من أسرته ومن أخوته من جهاده ضد من يسعون إلي وأد الهوية الإسلامية وطمس القدس.

تقوم التربية الأخوانية في مدرسة الدعوة التي يسمي فيها الفرد المنتمي للجماعة أخ داخل أسرة ضمن شعبة تكون الأخيرة بمثابة درحة تنظيمية ينتسب لها في (الحي/ المدينة) التابع له، مايعني تهيئته لوضعه في أسرة تصبح بديلة عن عائلته الحقيقية ومن ثم تعديل صفاته وأخلاقه وأفكاره في الدين والسياسة والتاريخ بما تلتزم به مناهج الجماعة في هذا البناء التنظيمي الهرمي الذي يصفه بالفاشية.

تتحري مدرسة الدعوة بناءا متوازيا يجمع بين عقائد الدين وأهداف الجماعة بحيث يصبحا الدين والجماعة لاينفصلان. ولطالما سردت عليهم قصص القعقاع بن عمرو التميمي الذي وُصف صوته في الحرب بأنه: “لصوت القعقاع في الجيش خير من ألف رجل”، والبراء بن مالك الذي وضع علي منجنيق لدك حصون الأعداء في أحد المعارك، وبلال بن رباح الذي كان يقاوم الحجر الموضوع علي صدره بتوحيد الله :”أحد أحد”. وهو ما حدا بالكاتب أن يتقمص أمامه النظام والمخالفين لدعوة الاخوان بصورة المنافقين الذين يحاربون من يسعون لإقامة الخلافة وإعادة فلسطين المحتلة كما الإسلام في مهده وطوره الأول وهو مايفسر لنا الحالة التي يعيش فيها عضو الاخوان طائعا لكل الأوامر ملتزما بقراراتها مؤيدا لكافة إتجاهاتها حتي لو تناقضت ومدافعا عنها حتي الرمق الأخي.

جاءت فصول الكتاب التي تقع في مائتي صفحة في قالب سردي معتمدا علي ضمير المتكلم ترسم لوحة شديدة الخصوصية فيها ملامح شخصيته ومكامن ضعفها ومواطن إبداعها مقترنة بكل عواملها الإجتماعية والنفسية ومحيطها الأسري والبيئي الذي صادف وجوده في أسفل السلم الإجتماعي حيث عمل والده حاملا لمواد البنا ويعيش في قرية نائية شمال محافظة الجيزة تعاني كغيرها من التهميش والحرمان من الخدمات حتي شهدت طفرة خلال ثمانينات وتسعينات القرن الماضي مع العائدين من بلاد النفط والبناء علي الأراضي الزراعية وماصاحبة من انتشار فكر الجماعات الإسلامية فيما عرف وقتها بـ”الصحوة الإسلامية”. لكن القدرة التنظيمية لجماعة الأخوان منحتها وجودا وانتشارا أوسع لأفكارها ساد بين المتعلمين وطلاب الجامعات في القرية فيما ظل تركيبها الإجتماعي يغلب عليه فئات العمال والفلاحين وأصحاب المهن الحرة الوافدين أغلبهم من الصعيد بحثا عن رزق في قلب العاصمة وخلال هذا التوصيف شديد الدقة والحساسية كانت قاعدته التي انتصبت أمامها كل تطورات الأحداث والشخصية معا التي كانت بحاجة ملحة للبحث عن كيان أو إنتماء يعوضها الشعور بالضعف والقهر.

ثمة انعطافات كبري مهدت لصاحب الرحلة الخروج من “جنة الأخوان” كما وصفها واسترداد وعية وذاته المفقودتين التي سلبته إياها “معسكر مغلق علي نفس الفكر والنهج والآلية”، واكتشافه أن ما كان يبدو له في الأفق جنة هو في الواقع معسكر للترويض والسمع والطاعة والتملص من تربية الأخوان التي ربطت بين التنظيم والدين فترك الأولي يستتبعه نفي الثانية عنك وتصبح كأنك “تترك الله وليس حسن البنا” بحسب تعبير الكاتب.

لذا وصف اكتشافه لسور الأزبكية الذي كان أول الطريق للمعرفة عنده:”بمثابة اكتشاف كولمبس القارة الأمريكية”. لأنه في هذا المكان الذي يعد الأقدم في بيع وشراء الكتب الصادرة حديثا والمطبوعة قديما والنادرة تمكن من تسلق سور الأخوان والتعرف علي عوالم جديدة والدخول في أفكار مختلفة غير التي تنتجها قريحة الأخوان، فقرأ عن الأخوان من خارج أدبياتهم واكتشف صورة للرئيس جمال عبد الناصر مغايرة للصورة المشوهة المشبعة بالثأر التاريخي منه كما قرأ لنجيب محفوظ واطلع علي عدة روايات لغيره. اتضح له أن الجماعة أو غيرها ليست عصبة مؤمنة وغيرها غير مؤمنة أو كافرة وأن العالم ليس مقسوما بين فئتين إما علماني يدحض الدين أو عميل لأمن الدولة!

ومضي في خروجه الاخير معافي بعد خمس سنوات من المعاناة والآلام والضغوط النفسية والفكرية التي عاناها وتكبد مشقتها حتي كانت نذر الخامس والعشرين من يناير 2011، قطفة الربيع العربي، في موسمها المتجدد بالقاهرة، حيث تطهر من كل جروحه وسط الجماهير التي هتفت بالحرية والعدالة والكرامة الإنسانية ورأي تخاذل الجماعة في أول الثورة عن شبابها تحطم تابو الأخوان في رأسه نهائيا.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى