التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

عمرو العادلي يكتب: حكاياتي مع نجيب محفوظ (الحكاية الرابعة)

كتب: عمرو العادلي

عمرو علي العادلي

246028_0كانت مفاجأة أهداها لي تسكعي المحبب في شوارع وسط البلد، رأيتُه في شارع سليمان باشا، يقف عند إشارة مرور، كانت هي المرّة الأولى التي أراه فيها وجهًا لوجه، أنا الآن في التاسعة عشر، بيني وبين نجيب محفوظ ستون سنة من العمر وخطوات قليلة من المسافة، حاولتُ الاقتراب منه ومباغتته في مصافحة أتحاكى بها أمام أصدقائي، ولكن كلما اقتربتُ منه خطوة كان يسبقنى بخطوة.

وقفَ طويلًا أمام فرشة جرائد وأنا متسمّر من خلفه، كان يتأمل العناوين جيدًا قبل أن ينحنى ويلتقط ما يريد، تحت إبطه رصّة جرائد وعدة مجلات، يلبس برنيطة خواجاتي كبيرة جدًا مقارنة بجسده الضئيل، صافحه اثنين من العابرين، ضحك لهم ببشاشة، بعد أن نصرفوا عاد لتأمل فرشة الجرائد مرّة أخرى.

كنت أشعر وكأن أمين شرطة المرور يتابع نظراتي للأستاذ، ولسبب لا أعرفه كنت أخفض بصري عنه وأتظاهر بمتابعة واجهات المحلات، وكأنني أفعل شيئًا لا حق لي فيه عندما أدقق النظر في نجيب محفوظ، توارى عني من في الشارع من ناس وأشياء، وظلّت البدلة الصيفة الرصاصية التي يرتديها الأستاذ هي كل ما يشغلني.

كانت معلوماتي عن نجيب محفوظ معظمها سماعي، وكانت قراءاتي لمحمود السعدني ومصطفى محمود أكثر من قراءتي لنجيب محفوظ، وفي كتب السعدني قرأت عن قهوة ريش، وقهوة عبدالله، ولصدق كتابات السعدني كنت أرى حكاياته تتجسد على هيئة كائنات تسكنها أرواح، وما دام الواقع الفعلي قد ساقني لأرى نجيب محفوظ رؤي العين؛ فلابد أنه ذاهب إلى ريش أو عائد من قهوة عبدالله.

في هذه السن كنت أرى الدنيا بنظارة انفعالية، أسقط مشاعري على المواقف والأحداث، ولا أتخيّل أن نجيب محفوظ لا يشعر بفوزه بجائزة نوبل، وقد تعجبت عندما أناب عنه محمد سلماوي في استلام الجائزة، وقتئذ، سألت نفسي، كيف يمكن لإنسان حصل على كل هذا التكريم أن يكون بهذه البساطة والرقة والتصالح مع نفسه، كيف يمكن لكاتب حيزت له شهرة كالتي أتيحت له ويكون متسامحًا ومتباسطًا إلى هذا الحد؟

في ذلك الوقت أتاحت الظروف لي أن أقرأ حوالي خمس روايات لنجيب محفوظ ومجموعة قصصية واحدة هي “تحت المظلة” وكان لسور الأزبكية أفضال كثيرة وعيوب أكثر، فمن أفضاله أن سعر الكتب زهيد، ومن عيوبه أنها غالبا حافلة بالشخبطات وفيها بعض صفحات مقطوعة كأنها كانت عشاءً لفأر، ومن هذه الكتب كانت المجموعة القصصية “تحت المظلة” والمجموعة فيها قصة عن طفل ذهب ليشتري فول لأمه، أخذته الدنيا من مشاهدة لمشاهدة حتى نسي الفول، وأخذ منه الحاوي الطبق ليُجري عليه النمرة الجديدة في عرض الشارع، وكانت القصة تسير في اتجاه جذب القارئ بامتياز، ثم، وبدون مقدمات وجدت الصفحات منقورة ومغربلة، وما يسترها من كلمات لا يُفضي إلى معنى معلوم، وكان شغفي الكبير هو معرفة ماذا ستفعل الأم مع الولد المسكين الذي لم يشترى لها الفول، فقد أخذ منه الحاوي الطبق، ومؤكد ستصبح ليلته سوداء.

عندما خطر في مخيلتي هذا الموقف من قصته، عقدت العزم على أن أذهب للأستاذ وأصافحه، سأحكي له عن قصته الجميلة، سأقول له أنني لم أعرف حتى الآن مصير الولد، سيكشف لي نجيب محفوظ شخصيا عن مصيره والعلقة التي مؤكد سينالها بالشبشب، عبرت الشارع للناصية الأخرى، عند فرشة الجرائد، توقفت قليلا وأنا أبحث عن البدلة الرصاصية الصيفى، عن رصّة الجرائد والمجلات، لكن الأستاذ اختفى قبل أن أصافحه.

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى