التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

زمن الرعب الجميل «3»

كتبت: بسمة الخولي

 

 

....هل فكرت من قبل في احتمالية أن تستيقظ من نومك ، تنظر لانعكاسك بالمرآة، لتجد وجهًا آخرًا تمامًا يطالعك من خلف الزجاج ؟، لو كنت تعلم أن هذا الوجه هو أنت، وأن الشيء الوحيد الذي اختلف هو أن المرآة صارت تعكس روحك بدلاً من جسدك ، أخبرني ماهو شعورك لو أن هذا الانعكاس كان مسخًا ؟ .

بعدما عرف الناس شعور الدفن أحياء، و اختبروا رد فعل مسخ فرانكنشتاين حين عاد من الموت، ثم اعتادوا تعليق الصليب و الثوم حول النوافذ للحماية من مصاصي الدماء، بقى سؤالًا واحدًا، ما المثير للذعر اكثر من قبر، وحش، أو مستذئب يمزق الأوصال في ليالي القمر المكتملة ؟، أجاب أوسكار وايلد على هذا السؤال حين عرض رائعته الخالدة ” صورة دوريان جراي ” ، كعادة أعمال القرن التاسع عشر اتسم عالم دوريان جراي بالأرستقراطية و النبالة ، لكنه أيضًا أظهر لمحة عن عرض غريزة البشر الحيوانية .

الحياة للأبد قد تكون مملة، والأكثر أثارة للملل هو أن تقضي هذه الأبدية بصحبة مصاص دماء لا هم له سوى الطعام، صدقًا لن يترك لك مصاص الدماء فرصة للمرح ، لذا من حين لآخر سيكون عليك التخلي عن صحبته و مرافقة دوريان جراي في عالمه الأسود الخفي العامر بالشهوات، الأزقة في الليل، السحر، اللعنات، القتل و الكراهية، حرر الشر داخلك وسيجد هذا الشر طريقة للتجسد، من يعرف، ربما حتى يتجسد إلى وحش كامل كما فعل ” روبرت لويس ستيفنسون ” بـ ” د. جيكل ” .

معا خلق ” اوسكار وايد ” و ” ر.ل.ستيفنسون ” طريق جديد للرعب يدعى ” رعب المسوخ “، منذ بداية فولكلور الرعب، مرورًا بالقوطية ومصاصي الدماء ، كان الغرض هو خلق الصراع بين الإنسان و الشياطين الخارجية، كافة الوحوش التي صنعها الإنسان صُنعت لنسيان المسخ الأكثر إثارة للرعب ، الإنسان ذاته ، لذا حين ظهر ” رعب المسوخ ” تساقطت الحواجز التي تفصل بين عالم الرعب و البشر كما تتساقط قطع الدومينو ، وانكشفت جوانب الشر في كل شيء تقريباً ، أدركنا أننا لم نكن السكان الوحيدين بهذا العالم منذ البداية ، وأن هذه المسوخ التي صنعناها حقيقية، بل و أقرب لنا مما نتخيل .

عندما صار الفاصل بين الجحيم و عالم البشر هش بما يكفي لتعبر ” شياطين وحي الرعب ” خلاله، حضّر رجل واحد قربانه و قام بتقديمه إلى الاوراق فاندمج عالمنا بعوالم جديدة كانت خفية علينا حتى هذه اللحظة، في ليلة شتائية صامتة انبعثت العوالم الكابوسية لــ ” إتش . ب . لافكرافت ” ، يتطلب الأمر عبقرية سيكوباتية فريدة لخلق عالم كامل موازي لعالمنا ، ولخلق حياة كاملة لكل مسخ من مسوخ هذا العالم ، و هذا بالتحديد ما فعله لافكرافت ..

صنع لافكرافت عدد من الآلهة و المسوخ التي لم يسبق لها أن ذُكرت في التاريخ وعرضها جميعًا بين صفحات ” نداء كوتلو ” ، ثم ألقى الضوء علي ” رعب الحيوانات والحشرات ” بقصته ” الفئران داخل الجدار ” ، كذلك توغل لافكرافت في عِلم الأرواح العالقة و الأماكن المسكونة فظهر ” رعب الماورائيات ” والذي تحدث عنه لافكرافت في ” الصورة على الحائط ” ، ثم كانت القفزة التي وصلت بين الشرق و الغرب حين روى لافكرافت قصة ” المدينة التي بلا إسم ” و التي تحدث فيها عن مدينة ” إرم ” ، تحفة قوم عاد .

لافكرافت لم يكن نافذة لعلوم الرعب فقط ، بل كان بوابة لكافة مجالات أدب الرعب التي سار عليها ادباء القرن العشرين و ما يليه ، بذهاب لافكرافت وبقاء عالمه تحول الرعب من كلمات بكتب إلى الرعب المرئي ، وظهرت – أخيرًا – السينما ، ومعها ظهر الأديب الذي خرج من الجحيم ليقود البشرية إلى جنة الرعب الأبدية .. ستيفن كينج .

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى