التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

«سرايا عابدين» شيزوفرينيا التعامل مع التاريخ فنيا

رؤية بقلم: روبير الفارس

روبير الفارس
روبير الفارس

 

 

 

 

 

 

قصي خولي فى عام 1962 أخرج حلمى رفلة فيلم (المظ وعبدة الحامولى ) بطولة وردة وشكرى سرحان وعادل مأمون وقام بدور الخديوى إسماعيل الفنان حسين رياض . وقدم الفيلم الخديوى فى صورة ذهنية ثابتة لم تتغير وهى صورة زير النساء. الذى لا يشبع ولا يفعل شيئا إلا اقتناص النساء من مختلف الطبقات لدرجة أنه فى أثناء اجتماع مجلس حرب أعالى النيل كان يفكر فقط فى ثقب باب حمام المظ ؟!- المطربة وردة –وكان حسين رياض – يردد طوال جلسة المجلس العسكرى (الحمام ..الحمام ).

وفى مشهد آخر يبحث عن فلاحة بعبلها ويرفض أن تستحم قبل النوم معها – الفيلم اذن كان يتعمد تشويه الخديوى بقصد وسوء نية وتحقير حقيقي ودون تحقيق امتاع المشاهد هو فقط غول جنس يأكل كل مايقع تحت يده، هذه الصورة التى كرستها أفلام وكتب عديدة شوهت أسرة محمد على ككل بعد ثورة يوليو 1952. وتجاهلت إنجازات الأسرة العلوية ومنها إنجازات – نعيش عليها حتى الآن – وطبعا منها إنجازات للخديوى إسماعيل الذى بنى الأوبرا وأطلق العنان لحرية الصحافة وأرسل البعثات العلمية وتخطيط القاهرة الخديوية – وسط البلد – واكتشاف منابع النيل وغيرها الكثير . أمامسلسل (سرايا عابدين )الذى يذاع الجزء الثاني منه الآن فقد بدء من الحلقة الاولى يكرس لصورة الخديوى إسماعيل زير النساء والذى تنسج حوله الاساطير ويذكر أحد الخدم أنه يملك طائر يختار له الأنثى التى سوف يقضى معها الليلة ؟ وكيف تلعب به الجوارى والطبيب الذى يعطيهن شهادة لائق طبيا ؟!. هل كانت هذه الشهادة قد ظهرت بعد بمصر؟. وأيضا السرير ذو الدورين. وهناك أخطاء تاريخية عديدة منها علي سبيل المثال أن المسلسل بدء فى حلقاته الثلاثة بالاحتفال بعيد ميلاد الخديوى الثلاثين وهو فى هذه السن لم يكن بنى سرايا عابدين لأنه بناها وعمره 42 عاما أما عن جانب المؤمرات والجوارى فيبدو واضحا اقتباس المؤلفه لهذا الجانب المتخيل من المسلسل التركى (حريم السلطان ) لنسج عالم الجوارى المثير. ولكن هنا ليس المقصود التشويه فقط بل هناك امتاع فى أداء دور قصى خولى لدور إسماعيل وإذا كنا لا ننكر . أن هناك مغالطات تاريخية فعلينا أن نسأل أنفسنا لماذا ننحاز إلى أعمال أدبية وقصصية تعاملت مع التاريخ بدون قدسية وبدون التزام ونرفض أن تفعل الدراما نفس الجرم؟، هل هى حلال على الأدب حرام على التليفزيون والسينما؟.. لماذا نتعامل هنا مع المشاهد كطفل ونخشى على الجهلاء والاميين من تشويه التاريخ وتزيفه لديهم؟ وأي تاريخ نخاف عليه؟ إذا كان التاريخ الساخن الذى نحياه الآن يزيف أمام اعيننا ولا نستطيع أن نصنع شيئا؟ ثم لماذا لا نعترف ببراعة هذه الكاتبة التى لا أعرفها فى لهوها البريء وغير البريء بتاريخ مكتوب كما اخبرنى الراحل الكريم الدكتور حسين امين بطريقة الانتقاء، حيث شبهه المؤرخ برجل يحمل كشاف ويدخل كهف مظلم وحيث تسقط بقعة الضوء . يختار ما يري ويكتب. لقد لعبت هبة مشارى بقصص ممتعة وعبثت بالزمان والمكان واسقطت الواقعية. وماذا فى ذلك ؟ أليس هذا هو التجديد الذى نشيد به فى الفن التشكيلى وكتابة القصة القصيرة والرواية ونعتبره تجديدا رائعا ألم يقل كافكا عن رسومات بيكاسو (انه يسجل التشويهات التى لم تدخل بعد فى مجال وعينا ) ألم يقل يحيى حقى فى مقدمة قصتة الرجل ذو الوجه الاسود (إن الكاتب يشعر أحيانا بأسرار غريبة لن يجد في المذهب الواقعى بغيته إذا أحب أن يعبر عنها )– كان ذلك عام 1936- فماذا يضير أن تعبث كاتبة بدراما اختارت لها فترة تاريخية لعبت في زمانها وقامت بتأخيرها 12 عاما أو أكثر وقتلت البعض وأطالت عمر البعض .إنه تشويه نعم ويمكننا أن نقدم أدلة تاريخية عديدة عليه ونثبت أن إسماعيل لم يكن زير نساء وكانت له أفضال عديدة وانجازات مازالت وسط القاهرة تشهد عليه. ولكنها تماما تعتبر باخراج عمرو عرفة تشويهات فنية مثل تشويهات بيكاسو فى لوحاته الفنية .أو ما وصفه أديبنا الكبير يحيى حقى بالأسرار الغريبة لدى الكاتب. والامر الذى استمتعنا به عند أدباء مثل كازنتزاكتس فى رائعتة (المسيح يصلب من جديد أو عزازيل ليوسف زيدان أو قرية ظالمة لحسين هيكل ) وغيرها من الأعمال التى استوحت من التاريخ ولم تقدسه أو تلتزم به – فهل الأمر حلال على الأدب حرام على الدراما؟ أما المشكلة الفكرة التى تهيمين على عقولنا والتى طرحتها فى بداية المقال (الخوف ياعينى ) على المشاهدين الذين هم فى الأساس لايهمهم تاريخ ولا جغرافيا وأغلبيتهم 40 % أميين، لايميزون بين الخديوى إسماعيل ولا إسماعيل يس. ولا فارق معهم سرايا عابدين من السرايا الصفرا . ولا المشاهدين من أنصاف المتعلمين الذين يعرفون الخديوى اسماعيل من فيلم المظ وعبده الحامولى وكتب تاريخ وزارة التعليم وهى كفيلة بتشوية العائلة الملكية وكل ملوك الارض وكل التواريخ . أما باقى المشاهدين وهم نسبة قليلة فاهمين جيدا أن هذا مسلسل هدفه الأساسي التسلية والمتعة وليس تقديم درس تاريخ ويدركون الفرق جيدا وهولاء لاخوف عليهم وهم يستمتعون ويشكرون هبة مشارى وعمرو عرفة.

إن عرض فيلم المظ وعبده الحامولى الآف المرات لم يجعلنا نصدق جلوس اسماعيل – حسين رياض- على ركبتيه امام ثقب فى باب حمام المظ – وردة – لمشاهدة جسدها عارى وهى تستحم . وكذلك لن نشك فى انجازات الخديوى اسماعيل – قصى خولى اذا جلست الجارية شمس –– فى حضنه على السرير – وشكرا لكل من يخاف علينا لسنا اطفال

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى