التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

لماذا نكتب؟

كتبت: عزة منير

 

في غيابة الغربة، تربص بيّ الاكتئاب؛ ما ألجأني إلى طبيبة نفسية تدعى (ميريام ماتايس)، وبعد جلسات عدة؛ سألتني يومًا سؤالا فاجأني، وإجابتي فاجأتها أيضًا:

ـ ماذا تفعلين عندما يصل بكِ اليأس مداه؟

أكتب.

فأنا معتادة على ذلك منذ صغري، أحب أن أدون الأحداث المهمة والمؤثرة في حياتي. فلساني يجيد الصمت، ولكن قلمي لا يكف عن الكلام.

ـ ماذا!! تكتبين، توقعت أن تقولي أفكر أن أنتحر مثلا.

لا، فقط أكتب.

ـ جميل.. وماذا تفعلين بعد ذلك بما تكتبين؟

أمزقه وأتخلص منه حتى لا يؤرقٌني.

ـ دعينا نعقد اتفاقًا، وهو أن تكتبي كلما احتجتِ لذلك، اقتلعي ما بِكِ وألقي به على الورق، واحتفظي به بعيدًا عنكِ.

راقت ليّ الفكرة، وعٌدت مسرعة إلى المنزل، تتزاحم الأحداث في رأسي، شعور بالغثيان انتابني، ودبّت في رغبة أن أتقيأ ما يثقل قلبي على الورق، وبدأت أهرول في الكتابة، أكتب وأكتب، بل أسابق كلماتي على الورق.. إلى أن اغتالتني الصفحات البيضاء، شجعني على ذلك أن طبيبتي لا تجيد اللغة العربية، فأطلقت العنان لقلمي يكتب ويدون ما شاء الله له أن يفعل.

كتبت عن كل شيء إلا عن أبي، كنت أخشى أن أمسه بقلم فيؤلِمني، وبعد جلسات عدة؛ لم تستطع الطبيبة الوصول إلى أبي، فطلبت منيّ أن أكتب عنه.

عندما ذهب أبي إلى جوار ربه؛ لم أبكِه يومًا، كنت أتهرب دائمًا من حقيقة أنه مات، وسكن الدمع في محجر عيني لا يفيض ولا يغيض.

عندما بدأت أكتب عن أبي؛ ظللت أراوغ وأهرب بكلماتي بعيدًا عنه، خشية أن ألقاه بداخلي، إلى أن عثر قلمي على قبره الذي يختبئ بين ضلوعي، لقد صنعت له قبرًا بداخلي حتى أزوره وحدي من دون أن يتقاسمه معي أحد، مس القلم قبر أبي كالسهم الرائش أصاب به كبدي وأطلق السبيل لعبراتي ما شاء الله أن يُطلقها ودخلت في نوبة بكاء عارم، أضاعت من قلمي الطريق.

أبي.. ما زال قلمي يكتبك وحرفي يذكر اسمك، ما زلت معى في كل شيء إلا واقعي، أبي ما زلت حيًا مدفونًا بين الأموات، وتركتني ميتة بين الأحياء، رحمك الله يا أبي. غارَ القلم في أعماقي ونبش قبر أبي، ما استطاعت قبله الطبيبة أن تفعل.

قبلك أبي لم أكتب شيئا يستحق الذكر معك.. فقط بدأت الكتابة. وكانت هذه البداية، وراقت ليّ فكرة أن أطلع أصدقائي على بعض كتاباتي، وثناؤهم على قلمي شجعني أن أعرضه على أخي محمد منير، كونه صحفيًا وكاتبًا أثنى هو الآخر على قلمي بل دعمه، والثناء من هنا وهناك أكسبني ثقه بنفسي، ومن هنا ولدت الكاتبة التي كانت تختبئ في أحشائي من دون أن أدري. رغم هذيان قلمي وترنح كلماتي أحيانًا؛ لكنهما كانا سببًا في شفائي.

كلما أثنى عليّ أحدهم؛ حفزني للمضيّ قٌدمًا، ألقيت بنفسي في أحضان الكتب والقلم والصفحات، ألقيت كل ما يؤرقٌني أمامي، انتزعته من داخلي أعلم أنه لم يُستأصل، وأننا لن نُشفى من ذاكرتنا، فبعض الآلام مزمن لا علاج لها، ولا أنكر أني غارقة في أحزاني، لكن الكتابة تبقي رأسي فوق الماء.

بحدّ القلم مزقت قيودي، وبددت مخاوفي وأطلقت سراح كلماتي، وحصلت على حريتي، أعطتني الكتابة (تأشيرة) مفتوحة لنفسي، أذهب كما أشاء، أركل الماضي وأستحضر المستقبل، أجاور القمر، أختبئ بين طيات السحاب، أراقص النجوم، أعانق الأموات، أفعل على الصفحات ما أشاء، كيفما أشاء، متى أشاء وأينما أشاء ومع من أشاء، أنتعل أحلامي وأجدف بقلمي وأطوف بسفن الحروف في جميع البحار، أنسج من خيوط الفجر أحلام المساء، أدخل عوالم من صنعي.

أكتب لأن الكتابة تمنحني السلام الداخلي، الراحة بعد العناء، أكتب لأنني في حالة خدرٍ عشقي مع القلم، أكتب وسأكتب.. وإن لم يقرأ ليّ أحد، لقد أدمنت الكتابه وحُسم الأمر، أكتب لأٌصَاحبنى وأتصالح مع نفسي، فأنا لم أعرفني إلا منذ سطر، أكتب لأن القلم الذي بداخلي يشف عن أرواح من حولي، يرى دواخلهم ويبوح ليّ بأسرارهم، أرسم ملامحهم بريشتي، أدخلهم عالم وأخرجهم من آخر، أكتب لأن القلم يشبه أبي في حكمته وصبره وإنصاته، فهو أول من علمني أن ألقي مشكلاتي على الورق، فحين كنت أمر بكبوة يرسم ليّ الدنيا على صفحة بيضاء، ويقول ليّ باسمًا.. هيّا نخرج من بوتقة الدنيا وننظر إليها من بعيد، هذه هي الدنيا، وهذا هو الله خالقها وخالقنا، وما يفعله العباد ما هو إلا تنفيذ إرادة الله علينا، ما ظلمونا وما ظلمنا الله، ولكن أراد أن يرفعنا درجات.. رحمك الله يا أبي.

لم أكتب لشهرة أو كسب مال ولا لفضفضة، أكتب لأراني على الورق، فالصفحات البيضاء هي مرآتي التي تشف عما بداخلي. وكفى القلم عِزًا أنه أول مخلوقات الله.. والكتابة أول تكليف.

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى