التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

«نبيل فاروق» ووجع التهميش

 كتب: أدهم العبودي

أدهم العبودي.
أدهم العبودي.

 

 

 

 

 

 

003aaa“نبيل فاروق” صاحب أشهر سلاسل الكتابة البوليسية في الوطن العربي، إتّهم كثيرًا أنّ ما يقدّمه لا علاقة له بالأدب، وأنّه فنّ رديء، لمجرّد التسلية، حدّ أنّه لم يُقبل عضوًا في اتّحاد كتّاب مصر إلاّ قريبًا، ولهذه الأسباب، إنّما –ومهما اختلفنا على المحتوى- فإنّ “نبيل فاروق” يعُد واحدًا ممّن أثروا الحركة الثقافية والفكرية لأجيال من الشباب كانت تهرول لاقتناء رواياته، وأحسبني واحدًا من هؤلاء، كنّا ننتظر العدد الجديد من “كوكتيل 2000” أو “ملف المستقبل” و”رجل المستحيل”، العدد الجديد من “فارس الأندلس” أو “زووم”، تحديدًا الأخيرة، ففي سلسلة “زووم” كنّا نقتات على المعلومات التي نقرأها ونعرفها من خلال السلسلة، تحديدًا في تلك السّن، أدركنا بعد أعوام ربما أنّ ما يكتبه “نبيل فاروق” لا يُمكن أن يقرأه إلاّ شريحة معيّنة؛ وهي المستهدفة، والتي لا تتجاوز حدود الثانوية العامة، والجامعة، غير أنّ ذلك لا ينفي عنه صفة الأديب، “نبيل فاروق” أديب حقيقي، كونه خطّ لنفسه طريقًا وتمكّن منها وطوّر فيها دون هذه الفبركات الإعلامية التي استُحدثت في عصرنا، وآثر “نبيل فاروق” البُعد عنها، بكلّ شياكة وزهد، كونه فعل هذا، بتلك الحيثيات والكيفية، وكونه نشر أدبًا مختلفًا بين قطاعات عريضة من أجيال متتالية من الشباب، يفرض علينا أن نحتفي بتجربته حق الاحتفاء، لا أن نحاول –وبكافة الطرق- أن ننال ممّا اجتهد فيه الرجل طيلة أعوام، مرّة بإطلاق إشاعات عن علاقاته الغامضة بالمخابرات والأجهزة السيادية، ومرّة باتّهامه بالسطو على الكتابات الأمريكية، أو السينما الأمريكية خاصة، وهذا هو متن الحديث عن تجربة “نبيل فاروق”؛ علاقته بالسينما الأمريكية.

أولاً، شخصية “أدهم صبري” في سلسلة “رجل المستحيل” تكاد تكون بعيدة كلّ البعد عن شخصية رجل المخابرات البريطاني –الأسطورة- “جيمس بوند”، لأسباب عديدة، منها على سبيل المثال، في الشخصية البريطانية ترسيخ لكلّ مفاهيم تدنّي الأخلاق من أجل “بريطانيا” الدولة العظمى، بمعنى أنّ رجل المخابرات لا يتورع عن فعل كلّ ما هو غير أخلاقي بالضرورة من أجل مصلحة المخابرات، أمّا في شخصية “أدهم صبري”، فهو هذه الشخصية الجاذبة للشباب بقدراتها على المواءمة بين الفضيلة والأخلاق وبين حبّ الوطن، كذلك رسّخ “نبيل فاروق” حين رسم شخصية البطل مفاهيم من أهمّها: كيف تكون قائدًا ناجحًا؟ كيف يمكن بالأخلاق –وحدها- أن تنصر الوطن؟ بعيدًا عن القدرات الخاصة المقبولة تمامًا في شخصية كهذه. إذن نحن أمام شخصية مُلهمة، لا هي مختلسة من شخصية غربية، ولا هي منفّرة لمن يقرأها، على العكس، كانت شخصية “أدهم صبري” شخصية تعكس كلّ ما يمكن المناداة به من أجل إصلاح هذا الوطن، لذا؛ اكتسحت هذه الشخصية خيال الشباب آنذاك، وبات “أدهم صبري” بطلاً حقيقيًا يكاد يقترب من الواقع، فإذا زعم أحدهم: ما علاقة هذا بالأدب؟ يمكن الرد أنّ الأدب ألوان، واللون الذي يقدّمه “نبيل فاروق” له مستهدفوه، وله قرّاؤه، وله أيضًا مكتسباته وقتها، يكفي أنّ تلك الأجيال لم تكن لتعرف “نجيب محفوظ” و”العقّاد” إلاّ عن طريق “نبيل فاروق”، وهو التطوّر الذي افتقدناه الآن، تطوّر وتدرّج بعقلية المتلقّي، قس على هذا مباديء علم النفس نفسها، وتربية الشخصية، وبثّ التطوّر الفكري بداخلها.

وفي معرض علاقة “نبيل فاروق” بالسينما الأمريكية أكاد أجزم أنّ الغرب –أمريكا تحديدًا- استولى على الكثير من كتابات الرجل، واقتبس منها، عكس ما هو رائج، دليلي في ذلك أمران: أحدهما؛ أنّ الأمريكان يطّلعون على أدبنا في الخفاء، رصدًا لما يمكن أن نعلو به عليهم، ونسبقهم فيه، هذا يحدث، وإلاّ ما تلصّصت السينما الأمريكية على تاريخنا، وحاولت تشويهه بشتّى الطرق، وفي أفلام عديدة، أشهرها: “كليو باترا” و”المومياء” بأجزائه. الأمر الثاني: انظر للتشابه بين العدد “23” من سلسلة ملف المستقبل والمعنون “بصمات السحرة” والمكتوب مطلع الثمانينات، وبين الفيلم الشهير الأمريكي “the illusionist ” والذي أُنتج في بداية الألفية الجديدة، كذلك العدد “76” من نفس السلسة بعنوان “الاحتلال”، بأجزائه، والمكتوب أواخر الثمانينات، وبين الفيلم الشهير أيضًا والذي أُنتج أواخر التسعينيات “independence day” لوجدنا أنّ السينما الأمريكية على دراية تامة بما يُكتب في الوطن العربي وبما يلتف حوله الشباب لأنّ سياسة التزييف العالمي أصلها شباب هذه المناطق الجغرافية والتي تمثّل خطرًا على دول بلا تاريخ مثل “أمريكا”، اقرأ سلسلة “ملف المستقبل”، وإذا كانت مشاهدًا جيّدًا للسينما الأمريكية لأدركت على الفور، مدى الإشفاق الذي يمكن أن تشفقه على “نبيل فاروق”، وقد سطوا على معظّم أعماله، وحوّلوها لأفلام شهيرة، وفي النهاية نكيل للرجل ونلقي عليه الاتّهامات جزافًا.

في العموم؛ اتّفقنا أو اختلفنا على ما يطرحه “نبيل فاروق”، نقرأ له الآن أو لا نفعل، استطعنا إدراج ما يكتبه تحت بند أدب من عدمه، ينبغي علينا أن نعتزّ بتجربته الخلاٌقة، بعد مرور كلّ هذه السنوات، وأتحدّى كاتبًا الآن على الساحة الأدبية لم يقرأ لـ “نبيل فاروق”، ولو من باب الاطّلاع، علينا أن نشكر الرجل، ونكرمه، لا أن نهمّشه ونطيح بتجربته.

“نبيل فاروق”: شكرًا.. أقلّه على المتعة التي قدّمتها لنا.

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة