التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

المرحوم….والاقتراب من عالم الاموات.

كتب: مصطفى الفرماوي

مصطفى الفرماوي
مصطفى الفرماوي

 

 

 

 

 

 

غلاف الروايةللوهلة الأولى وعند الإستعداد لقراءة تلك الرواية والتي جعلتني أستعد بطقوس معينة لم تكن هذه الطقوس لدي عند قراءة آي رواية آخري ولكن لا أدري فقد كان لدي شغف كبير الدخول هذا العالم وعند البدء في قراءة الروية استوقفتني تلك الكلمات والتي كانت مكتوبة علي الحائط الخلفي لثلاجة دفن الموتي بالمستشفي …ماهذا؟

.هنا ترقد الأجساد التي ضلت طريقها إلى باطن الأرض والأرواح التي ضلت طريقها إلى السماء .هؤلاء الذين حرموا من صفة الرحمة ..لا أحد يطلق عليه المرحوم …أنا المرحوم الوحيد في هذا المكان !!!

ماهذا الكلام الصادم الصعب الذي أقرأه ؟ من هذا الذي يعطي لنفسه هذه الصفة ويحرمها علي الاخرين؟! لابد أن يكون شخص غير عادي..

المرحوم ..كلمة تطلق علي كل من يموت ويفارق حياتنا الدنيا ويطلق عليه لقب المرحوم تيمنًا بأن يرحمه الله ويغفر له وهذا مانعلمه جميعًا أما أن يكون هذا اللقب يحمله شخصًا يعيش بيننا فهنا نجد ما لا نعلمه؟

وهذا ما تدور عنه رواية المرحوم للكاتب الدكتور حسن كمال والذي يبهرنا برواية مختلفة حتي أنني منذ بدايتها وأنا حبيس الأنفاس متوجس ومنتظر ومتوتر ماذا يريد ولكن مستمتع من خلال رشاقة الكلمات والجمل والتي تميز بها الكاتب بحيث يجعلك لاتود أن تترك او تفارق عينك الصفحات الصفحة تلو الاخري وأجدني أغوص في عالم جديد وشخصيات مختلفة لها تركيبة لم تقابلها من قبل هل هي فعلا كذلك ؟

إنها شخصيةعبد الحي عامل المشرحة البسيط الذي يستقبل الجثث سواء نتيجة الحوادث او العمليات في مشرحة المستشفي الكبيرة ويقوم بوضعها في ثلاجات خاصة لحفظها لفترة ومنها من يجهزها ليقوم الطبيب بتشريحها ومعرفة اسباب الوفاة .كل ذلك طبيعي ولكن ان يقوم باختيار من يضعه في الثلاجة الكبيرة والتي امتلت بعدد هائل من الجثث ويعيش بينها دون خوف او رهبه ويقوم بالكلام معها ليلا مثلما حدث مع حبيبتة وصديقة طفولته سميحة والتي ماتت وموجودة بالثلاجة وكذلك الضابط أشرف البشلاوي ويجلسهما ويقوم بعمل لكل منهم كوبا من الشاي ويسألهم عند مقدار السكر لكل منهما ويتحدث اليهم وكانهم احياء  ويظن انه الشخص الذي سيتمم ما كانوا يودون فعله كي ترتاح اجسادهم في الأرض ويظن إنه يمكنه أن يلبس أجسادهم ويتحرك بها  وينهي كل ما كانوا يتمنوه ومالم يستطيعوا أن ينتهوا منه وهم أحياء !! وتسرد الرواية وتوضح شخصية المرحوم وقسوتها عند تعاملها مع الحثث الاخري وكيف يقوم بقطع السنتها (20 جثة) ويضعها في كيس ويقول لهم انتم لاتحتاجون السنتكم الان انا من يحتاج اليها كلنا لسان واحد فقط هو لسان المرحوم الذي سيبقي في فمه ويتوقف عند اشرف بك ويقول له انت لاتستحق قطع اللسان بل هؤلاء أولاد ال…فقد ماتو وعاشوا يعانون من الخرس والغباء !! إنه الجنون ولكن الجنون الممزوج بحكمة العقل ورؤية الأحداث حوله.

المرحوم أطلق عليه هذا اللقب عندما كان صبيًا في العاشرة من عمرة وكعادة الأطفال في هذا العمر يلعبون ويمرحون وكان يلعب في الحوش الكبير وهو حوش يحتوي علي عدد كبير من المقابر  وأمام تلك المقابر مكان فسيح للعب وعند لعبه وجد جنازة قادمة لتلك الحوش وكطبيعه مجتمعنا ان يساعد الولد والده وكان ابوه يعمل لحادًا فماكان من الصبي الا ان نزل القبر (التربة) لينظفها ويكنسها لاستقبال القادم وعند سؤال صديقة عنه قالوا هو في القبر فاعتقد انه مات فهرول الي اصحابه ليبلغهم ان عبدالحي مات..مات وهو في التربة فحزن اصحابه وبعد وقت ليس بطويل وجدواً شبحا قادم عليهم؟! من القادم من..من ؟؟انه عبدالحي يعلو وجهه وجسمه التراب ففرحوا به وقالوا عبدالحي.. لا.. المرحوم..المرحوم وبعد ذلك اطلق عليه اسم المرحوم وتردد الاسم حتي اصبح ملازما له ..

وتدور الرواية حول طالب الطب (كمال) والذي يهوي الكتابة ويبحث عن كل ماهو مثير وجديد ويبحث عن الشخصيات المركبه التي تبهره بكلامها وتصرفاتها الي ان تقابل مع عبدالحي (المرحوم) ومن كلمات كمال.

الصدفة قدر! احدكم سيقرأ هذه العلامات ليحمل رسالة المرحوم الي بقية العمر اذا اصبحت هذه الاوراق في ايديكم فانتم ممن عهد اليهم برسالته عل احدكم يحملها بالروح او بالجسد او بكليهما معا.انا اول من وقعت في يده هذه الاوراق ..كلما انتهيت منها اعود لاقرأها من البداية كما لو كانت لعنة اخري من سلسلة اللعنات التي اصابتني منذ ان عرفت المرحوم .لم اجد لها حلا سوي استكمالها لينتهي دوري ثم اتركها لغيري وارحل مبيعدا لانني لا استطيع ان ابقي هنا بعد كل ماجاء فيها لن اغير شيئا في فصوله التي اسماها هو علامات ..وساضيف اليها ماعشته معه حتي تكتمل الرواية ومع كل يوم سيمر علي بعدها ساحاول أن أفعل مثله ..ان انظر للصورة من أعلى ..أتامل نفسي جيدا في كل يوم لاتاكد اني لازلت حيا استحق الراحة الابدية في باطن الارض .وساعمل علي تحقيق كافة اماني في حياتي لكيلا تبقي لي أمنية بعد آخيرة تعيق نزولي إلى الأرض او صعودي الي السماء .فان بقيت لي واحدة فانني اوصيكم بها وبجسدي خيراً..

رواية تقوم علي معني فلسفي عميق يربط بين الحياة والموت حتي أتى إلينا الكاتب إلى عالمنا نحن وجعلنا نري الشخصيات وكانها معنا وتعيش معها ونعرفها جيدا بفضل سردها المؤلف ببراعه كبيرة ودخولها الي عالمنا الواقعي وماحولنا وخاصة عالم المرحوم تلك التركيبة البشرية الغريبة والناتجة عن حياة القبور وهي الحياة التي لاتصلح للحياة ولكنها تصلح للموت فقط وهم شريحة مهمشة اجتماعيا الا وهم سكان المقابر كيف يعيشون وماهي العوامل التي أدت إلى وجودهم والسكن في تلك الأماكن مع الأموات وهل سيكون هناك تأثير نفسي عليهم وعلي اولادهم عند السكن في تلك الاماكن كيف يلعب الاطفال كيف تعيش الاسرة بعد ان تم نزع الحياة الاجتماعية الطبيعية مثل غيرهم ماهي نظرتهم لمن هم خارج تلك القبور …

كما تتناول الرواية ماظهر في المجتمع من فئات مختلفة لم تكن موجودة او ربما لانها مهمشة في كل شيء فلايعلم احدا عنها شيئا وكيف تم استغلال هؤلاء في الأحداث .كما تناولت الرواية الفتنة الطائفية وكيف تم استغلالها من خلال شخصية لها نفوذ سياسي وايضا مشكلة التعليم ومدي جدوي تاثيره في المجتمع من خلال شخصية الناظر والكثير من الأحداث التي تشدك لقراءة الرواية حيث انها  حافلة بالاحداث المثيرة والقاسية في نفس الوقت علاوة علي الغموض والتشويق الذي يجعلك تلهث وارء الاحداث وتجد هناك مفاجأة تلو الاخري وتصدم وبالرغم من ذلك تجدك مستمتعا بذلك من خلال كلمات رشيقة غير مملة وسرد غير مفتعل والدخول الي عالم لم نفكر ان ندخله قبل قراءة تلك الرواية باحداثها التالية والتي ستدهش من يقراءها دوما انه فعلا عالم اخر عالم الاموات. كما تتميز الرواية بان احداثها كثيرة سواء من الجانب السياسي أو الإجتماعي في مجتمعنا الآن والصراع بين السلطة والفساد والفقر والمرض  مما يجعلك مشدودا لها وكانك تشاهد فيلما سينمائيا .

خلطة مبهرة وحتي صفحتها الأخيرة مجمعة كل الأفكار في هذه الجملة التالية “الصمت يعلمني الكلام. والظلام يعلمني الرؤية، فتشوا عن الموتى فيمن حولكم، هؤلاء الذين لا يتكلمون حينما يأتي وقت الكلام، ولا يبحثون بعيونهم المفتوحة عن النور عندما يسود الظلام”. لذا يتوجب علينا أن نتعايش مع هذه الكائنات التي تعتبر نفسها دقيقة ولكنها ذات كيان مرئي ولها سلطة خفية على أحداث الواقع الذي نعيشه سويا، فهي لها حق الحرية والحياة كما لنا حق الموت

هناك روايات تقراءها ولا تتذكرها بعد ذلك الا بعد مجهود عقلي كبير أما المرحوم فهي رواية فلسفية من طراز رفيع المستوي حيث تترك في نفسك اثراً لايزول مهما عشت وقرأت بعد ذلك من روايات آخري.حيث تنتمي تلك الرواية الي مدرسة الادب الواقعي (الواقعية السحرية)التي تتميز بان فيها خلطة مبهرة من الواقع المخلوط بالاحداث الغريبة والغير طبيعية ولايصدقها العقل بسهولة مما يوقع القارئ في حيرة كبيرة هل هذه الاحداث واقعية ام هي خيالية ؟

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى