قصةمشاركات أدبية

جماد

قصة: سميرالمنزلاوى

سميرالمنزلاوى
سميرالمنزلاوى

 

 

 

 

 

 

لم يستطعم الفرن ما تلويه الأم الكبيرة من قش و حطب في فتحته، كانت مشاعره مع الأم الصغيرة و طفلها الذي يناوشه الموت منذ أيام . الأسى و الصمت يتوزعان على البشر و غرف البيت و مرافقه . الفرن منذ أشرفت السيدة الكبرى على بنائه من الطين و التبن وجد قلبه يمتلئ بحب هذه الأسرة !
حجرته التي يجثو فيها كالجمل اسمها الخزانة، لما تضمه من نفائس الدار كبلاليص الجبن القديم، و أجولة الحبوب, و الدقيق و البصل، وجرار السمن و الزبد و العسل .
رأى كل شيء و سمع كل شيء, كتم أسرار البنات و أسرار سعد الذي نام فوقه و حلم بصوت عال .
انشرح قلبه يوم زفاف الولد الوحيد و قال لنفسه و هو يرى الرفاق يحممونه و يلبسونه الجلباب الصوفي و يعطرونه بكولونيا الشبراويشى : – و الله كبرت يا سعد .
كانت الطبول تدق في الخارج و الزغاريد ترجه رجا فيتمنى أن يتحرر ليرى العروس، لكنه يبتسم متفلسفا: بكره تيجى لحد عندك .
و جاءت كالبغاشة، جلست بهدوم المنزل ووضعت في عرصته البرام المعمر، ألقمته القش و الحطب فاخذ يفح بالحرارة و الصهد . تلون وجهها حتى صار بنفسجيا, و برقت عيناها البنيتان كعيني يمامة .
زفرت و خلعت الجلباب فظهر قميصها الأحمر الذي يكشف ذراعيها و ساقيها و حدود رمانتيها الصغيرتين .
أراد أن يتفحص الصدر و الذراعين و ربلتى الساقين لكن …لا اغضض بصرك أيها الفرن الزائغ العينين ، إنها ابنتك الجديدة نبوية !
صوت اللهب في بيت النار يحطم الأعصاب, الوقت سيف يقطع القلوب .نبوية تختلس النظر إلى الطفل الراقد يربطه بالحياة صدر يعلو و يهبط كصدر عصفور وقع من العش .
بين لحظة و أخرى تمسح وجهه, و تنظر إلى الثقبين المتبقيين من عينيه. كلما غفلت دقائق ترى وحشا كاسرا يتقدم و يتأخر من ابنها, فاتحا فمه كالمغارة !
يود الفرن أن تكون الجالسة أمامه نبوية و ليست الحماة، طالما اتصل بينهما حديث صامت وود حميم, و بقيت الخزانة ملاذها حين تغضب من سعد. تجلس أمامه كأنه أبوها تبكى. تسمعه يلقى في قلبها حديثا هادئا فيه حنان و عقل فتقوم راضية و تدخل لزوجها .
يريد أن ينزع الرعب من نفسها لكنها هذه المرة مغلقة القلب، لا تستجيب لرسائله, تقبض على الجسم العليل بكلتى يديها كأنه سيهرب إلى جوف الوحش .
أين أيام الحمل التي انصرمت كالحلم ؟ كانت تأتى لتحدثه عن أملها في ولد يدرج تحت كتفه, كانت تثق فيه كولي للبيت، و لا تزعجها أقوال الجارات عن أهوال الولادة .تغرس أصابعها كأنها أصابع موز في جرار السمن و الزبد و العسل، تلحس المزيج كالأطفال . تضحك فتصطدم الضحكة الريانة بالحيطان، تتشظى إلى ضحكات كثيرة يسمعها الجيران .
الآن يقفون على طرف الباب ينظرون إلى قطعة اللحم الضامرة و الوجه المتغضن الأصفر كليمونة, و الثقبين المعتمين، يرون ملك الموت يرفرف , و مع ذلك يواسون : خير إن شاء الله
ثم يصفون لها أن تدهنه بالخل أو الزعتر أو ماء الورد .
ينسحبون بشفاه مرتعشة و دموع حائرة في المآقي ثم يتبخر كل شئ وسط ركام المطالب .
ينحسر الحزن في قلب الفرن و قلب اليمامة و يتنقل مع الحماة بين الغرف أثناء هروبها من نظرات كنتها .
يذهب مع الجد إلى الغيط, يجلس معه تحت النخلة يضيق الرجل بالحقول و البهائم و نعيب غربان بعيدة فيزجره :- حرام عليك جاى ورايا الغيط ؟
سعد , الأب الصغير ابن العشرين ليس لديه خبرة بالبؤس, يظن كل ما يجرى احد الكوابيس التي عاشها فوق الفرن !
لا يعود إلى البيت إلا في آخر الليل فيجده قطعة من الشجن ، تنكمش الأرواح المكدسة فيه مثخنة بالجراح . تكون نبوية مفتحة العينين قابضة على عليلها الذي يئن طول الوقت .يلمس الوجه الصغير البارد و يتحسس الصدر الذي يعلو و يهبط ثم يستلقى مسهدا , تهوى عليه مطارق ضخمة .
يوم الولادة كان سهلًا, لا طلق و لا نزع, في ثانية نزل الولد و هي تفرد العجين و أسرعت جدته تقطع السرة ثم همست : – ولد
استغرب الفرن من صغر حجمه كأحد الأرانب المولودة في الجحور . كان ضئيلا ازرق لا يبكى لكنه يئن .
وقفت نبوية مذهولة بينما أمسكته الجدة مقلوبا و أخذت تضرب قاعي قدميه بقبضتها .
سمع كل يوم شكوى من عدم الرضاعة و عدم النوم و إصدار الأنين بلا توقف . رأى أكثرمن طبيب . و كانت اليمامة مهيضة غائرة العينين .
ظل ساهرا . مر نحو شهر و ليس ثمة تقدم . يسمع خشخشات العصافير و الفئران في السقيفة فتهتاج أعصابه و كانت من قبل تؤنسه, الوحدة و القلق ابرد من ليالي طوبة الطويلة . نبوية لم تظهر اليوم .
ولت أيام السهر و السرور التي كانت أحلى من العسل المخزون في الجرار .
أرهف أذنيه . الجدة و الجد و البنات في الغرف يسمع همسهم، سعد لم يعد حتى الآن . برودة الخوف أقوى من كل الأغطية .
لو تأتى نبوية الآن ؟ قلبه منقبض .
يستطيع أن يسمع زفراتها من مكانه . لا يمكن لعقلها المتحفز أن يستسلم للنوم .
لا ينفك يجلدها و يعرض صورة وحش كاسر , يتقدم و يتأخر و يفتح فما يشبه المغارة !
هل يعاود سماع ضحكتها التي تتناثر ضحكات صغيرة ؟
أحس بالدوار و بدأت الأرض تهتز تحته , فوجئ بها تدفع الباب .كانت تحمل أرنبها المحتضر و كانت أنفاسه ضعيفة و توقف صدره عن الصعود و الهبوط , وضعته على ركبتيها و جلست قائلة له :-
شايف , جابر بيموت.
حاول أن يبكى فلم يفلح , كما تعثرت في حلقه الكلمات وخيم عليه الصمت و الوحشة كالقبر . أحس بوخزات مؤلمة في قلبه , و انه بحاجة مثلها إلى من يطفئ ناره . في لحظات مال الرأس الصغير و ألقت نبوية على الميت نظرة ولهى ثم أغمضت عينيه . أرادت أن تصيح لتفرج عن همها المعتق و تخبر زوجها الرابض في مكان ما ، و أهل القرية جميعا أن الوصفات فشلت , و أنها صارت بلا ولد ، لكنها بوغتت بامرأة متشحة بالسواد تخرج من فتحة الفرن السفلية , و تسبقها صارخة بعزم صوتها :-
يا ضنايا يا ابنييييي!
 

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى